1985: عام الانهيار وعودة التحركات العمالية إلى الشارع

المحرر: نسعى من خلال مشروع “الحراكات الاجتماعية في لبنان” إلى توثيق الصراعات الاجتماعية التي شهدها لبنان مع بدء الأزمة الاقتصادية خلال الحرب الأهلية (19821990)، لاسيما الفترة الممتدة بين عامي 1985 و1987، حيث بدأت تؤثر بشكل كبير على المجتمع، المنهك جراء عشر سنوات من التقاتل بين الميليشيات المحلية، واجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب وصولًا إلى العاصمة بيروت وتمركز الجيش السوري على أراضيه. وعليه، اخترنا التركيز على هذه المرحلة لأهميتها من حيث التأسيس للنظام اللبناني ما بعد الحرب الذي تسبب بثالث أسوأ أزمة اقتصادية في التاريخ أولًا، ولما تحمله هذه الأزمة من أوجه شبه مع الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخ لبنان الحديث ثانيًا، وأخيرًا والأهم لأنه لم يتمً تسليط الضوء عليها بشكٍل كافٍ مقارنًة بالانتاجات حول الأعمال الحربية أو التدخلات الخارجية خلال الحرب مثلًا. من هذا المنطلق، نركّز في هذا المشروع على دراسة دور الفاعلين الجماعيين، وطرق مقاومة المجتمع في أوقات الأزمات، والتكتيكات والاستراتيجيات المستخدمة، والانتصارات والخسائر على الطريق. وتبعًا لذلك، نحاول بناء أرشيف للحراكات الاجتماعية في لبنان وسرد قصة ليست فقط عن الانهيار والكوارث، ولكن أيضًا عن المقاومة والأمل.

وعليه، ارتأينا توثيق هذه التحرّكات في قاعدة بيانات الكترونية على شكل جدول زمني قابل للبحث، من خلال طريقتين رئيسيتين: (1) كتالوج الأحداث (استنادًا إلى أرشيف صحيفتي “السفير” و”النهار”)، (2) التاريخ الشفوي (استنادًا إلى المقابلات والتواريخ الحياتية). ويمكن الاضطلاع على كتالوج الأحداث عبر الموقع الإلكتروني للمركز، فيما تمّ الاستعانة بالمقابلات في المقالات المنشورة حول هذه الحراكات.

وفي هذا الإطار، راجعنا في مقالٍة أولى طبيعة النظام اللبناني الذي يستمرّ في إنتاج الأزمات نفسها وبطريقة تعاطيه مع تلك الأزمات. وسننشر تباعاً سلسلة من المقالات تتناول أبرز التحرّكات خلال تلك الفترة.

ونعود في مقالتنا الأولى إلى حراك “الهيئة الوطنية لمكافحة الغلاء والاحتكار” عام 1985، الذي شكّل إعلانًا لعودة التحرّكات العمالية المنظمة إلى الساحة.

مقدمة

شهد عام 1985 عودة التظاهرات العمالية الكبرى إلى الشارع بعد توقف قسري تسبّبت به الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قد بدأت عام 1982 جراء الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة بيروت ألقت بثقلها عام 1985 الذي وصف بـ”عام الانهيار[1]” حينها. تشير أستاذة العلوم الإجتماعية في الجامعة اليسوعية رلى أبي حبيب في مقالة[2] أنّ “الاتحاد العمالي العام (الاتحاد العمالي في النص) لم يقم بأي نشاط بين عامي 1975 و1977، ما دفع الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين[3] (الاتحاد الوطني في النص) إلى تولّي القيادة في شأن معالجة مطالب العمال وتنظيم المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات”. وقد لعب هذا “الاتحاد اليساري، الذي كان يهيمن عليه الشيوعيون، تحت قيادة الرئيس إلياس الهبر، دورًا بارزًا من خلال دعم القضية الفلسطينية علنًا، بينما كان الاتحاد العمالي العام يظهر تحفظًا أكثر، وكأنه في انتظار حلّ سريع للصراع كما توقع معظم اللبنانيين”. وتوضح الباحثة ليا بو خاطر في كتابها[4] أنّ انخراط الاتحاد العمالي العام في الشأن العام “شهد تراجعًا كبيرًا بين عامي 1977 و1983، نتيجة تأثيرات الحرب وحكم الميليشيات”. فقد أثّرت “الخلافات السياسية الداخلية” على ردود فعل الاتحاد التي وصفتها بو خاطر بـ”البطيئة والمترددة”. تذكر بو خاطر أنّ الاتحاد العمالي أصدر بيانات تعليقًا على ثلاث أحداث فقط وهي “الاجتياح الإسرائيلي للجنوب (1978)[5]، الاجتياح الإسرائيلي لبيروت (1982) والتقاتل بين جناحي “القوات اللبنانية” (1985). فقد كان رئيس الاتحاد العمالي جورج صقر على علاقة جيّدة مع هذه الأخيرة وكان يعقد “اجتماعات متكررة” مع قادتها، منها في العلن[6]. وعلاوة على ذلك، شاركت “القوات” بقيادة بشير الجميّل بإعداد مؤشر الأسعار الذي كان يصدر عن الاتحاد العمالي العام[7]. واكتفى الاتحاد العمالي بإرسال المذكرات للمسؤولين وإصدار البيانات لطرح المطالب، مع التهديد المستمر بالإعلان عن الإضراب. في عام 1983، طالب الاتحاد العمالي في أن يُشمل في عملية “اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.” وفي العام التالي، ركّز “على تحسين ظروف المعيشة، بما في ذلك المطالب المتعلقة بانقطاع الكهرباء ورسوم المدارس الرسمية”. وتناول الاتحاد للمرة الأولى موضوع التضخّم وانتقد السياسات الاقتصادية للدولة. ومع اشتداد الأزمات عام 1985، اختار الاتحاد العمالي الصمت معظم الأحيان[8].

وأدّت التدخلات السياسية لليمين المسيحي في عمل الاتحاد العمالي إلى موجة من الاعتراضات من الاتحادات والنقابات العمالية والأحزاب اليسارية، لاسيما الاتحاد الوطني. وأمام الفراغ الذي خلقه تغيّب الاتحاد العمالي، قرر الاتحاد الوطني أخذ إعلان المواجهة على عاتقه. وبناء عليه، حاول الاتحاد الوطني رصّ الصفوف والتصدّي لسيطرة الميليشيات والمحتكرين على الاقتصاد والمجتمع في ظلّ تفكك الدولة. جاء تحرّك الاتحاد الوطني تحت إطار “المؤتمر الوطني لمكافحة الغلاء والاحتكار” عام 1985 والذي انبثقت عنه لاحقاً “الهيئة الوطنية لمكافحة الغلاء والاحتكار” التي توّلت مهام تنظيم الحراكات الشعبية وتحديد المطالب والضغط على النظام لتحقيقها.

نتناول في مقالتنا مراحل تنظيم المؤتمر ومن ثمّ الهيئة وأبرز التحرّكات التي دعت إليها خلال هذا العام. ونلقي الضوء على الدور الأساسي الذي لعبته الهيئات النسائية  التي تعاونت مع الاتحاد الوطني خلال تلك الفترة من جهة وعلى غياب الاتحاد العمالي عن الساحة من جهة أخرى.

عام 1985: بداية الإنهيار

أدّى الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 إلى اندلاع أزمة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ لبنان استمرت حتى أوائل التسعينيّات. تمثلت إحدى نتائج خروج منظمة التحرير الفلسطينية[9] من لبنان إلى سحب أرصدتها من المصارف وانخفاض الودائع المصرفية، مما أدّى إلى إفلاس أكثر من عشرة مصارف[10]. فشهد العام 1985 عمليات بيع لبعض المصارف ووضع مصرف لبنان يده على عدد آخر منها نتيجة تزعزعها إما بسبب الوضع الاقتصادي وإما لمشاركتها في المضاربات على الليرة[11]. وتقلّصت أيضًا الأموال السياسية من السعودية وليبيا والعراق مع حصر الصراع في لبنان بين إسرائيل وسوريا بين عامي 1983 و1987. واهتمّت كلّ منهما بإرسال السلاح والتدريب والمساندة السياسية أكثر من التحويل المباشر للنقود. وبلغت قيمة الأموال السياسية التي كانت لا تزال تتدفق إلى داخل البلاد “ما يراوح بين 150 و200 مليون دولار في السنة، أي نحو نصف معدلها. وكانت إيران المصدر الذي يأتي منه كلّ هذا المبلغ تقريبًا[12]“، حسب عالم الاجتماع سليم نصر. وانتشرت المضاربة على الليرة اللبنانية، والتي غالبًا ما كانت محمية من قبل الميليشيات[13].

انتهت “الحرب في زمن البحبوحة[14]“، كما أسماها المؤرخ فواز طرابلسي، عام 1984 واشتدت الأزمة عام 1985. فحتى عام 1984، تمكنت الدولة من تخفيف أثر غلاء المعيشة عبر تعديل الأجور بما يتناسب مع التضخم وتجميد الإيجارات، وهي سياسة كانت قد اعتمدتها في السبعينيّات. واعتمد مصرف لبنان سياسات اقتصادية تقليدية، محاولًا الحدّ من التضخّم عبر طباعة النقد وتمويل الدولة مباشرةً من خلال إصدار السندات[15]. وبدأت الليرة بالانهيار تدريجياً حتى خسر أجر العامل اللبناني أكثر من 80% من قيمته بين نهاية عامي 1984 و1985. وفي السنة عينها، ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية الرئيسية والكماليات والأدوية بنسبة وصلت إلى 196 و230% في ظلّ غياب الرقابة على التجار والمستوردين المحتكرين للسوق. وضرب مؤشر غلاء المعيشة رقماً قياسياً فتخطت أرقامه الـ 65%، في حين سجّل المؤشر عام 1984 20%. ووصلت نسبة البطالة إلى حوالي 35% حسب أرقام الاتحاد العمالي[16].

بالإضافة إلى ذلك، شهدت أسعار النفط انخفاضًا ملحوظًا بعد ارتفاعها جراء الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988)، فانخفض “عدد العمال اللبنانيين في الخليج من 210000 عام 1980 إلى 65000 عام 1987 وقيمة التحويلات من 2254 مليون دولار عام 1980 إلى 300 مليون عام 1987[17]” وعاد قسٌم كبير منهم إلى لبنان ما أدّى إلى زيادة كبيرة في سوق العمل.

وقد أدّى حكم “شبه الدويلات[18]“، وفقًا لنصر، إلى هبوط حاد في القدرة على جباية الضرائب (خاصة الكهرباء والهاتف) والرسوم وفي تحصيل الموارد الجمركية لحساب الحكومة. فانخفضت إيرادات الجمارك “من 97% عام 1980 إلى 10% عام 1986”. واستنزفت احتياطات الدولة من النقد الأجنبي “(كانت حوالي 25 مليار عام 1982) بسبب الإنفاق العسكري الضخم بين 1982 و1984 وكلفة إعادة بناء الجيش والدعم للطاقة والخبز لمنع ارتفاع أسعارهم واطّراد قيمة القروض الداخلية من المصرف المركزي والمصارف لتغطية ميزانية الدولة. وقد وصل العجز إلى 90% عام 1986، وتراكم الدين العام إلى 147 مليار ليرة في نهاية 1987، وزيادة التضخّم من 60% عام 1985 إلى 425% عام 1987”.

وشهد عام 1985 أزمة سياسية كانت الأولى منذ بداية الحرب إذ قام رئيس الحكومة رشيد كرامي وأركان وزارته المسلمين على رأسهم الوزيرين نبيه بري ووليد جنبلاط بمقاطعة رئيس الجمهورية أمين الجميل حوالي سنتين، مما عطّل انعقاد مجلس الوزراء طوال هذه الفترة. وكان كرامي قد أعلن عام 1985 مقاطعة الحكومة بعد قصف “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع مدينة صيدا وجوارها أثناء إنسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي منها. ونجح نظام الرئيس السوري حافظ الأسد برأب الصدع لفترة وجيزة، إلى أن عاد كرامي لمقاطعة الجميّل عام 1986 وذلك بعد انقلاب سمير جعجع بالتحالف مع الجميّل على الاتفاق الثلاثي[19] الذي رعته دمشق، والذي كان قد وقعه إيلي حبيقة عن “القوات” [20]. وقد أعلن الوزراء المسلمون في الحكومة بالإضافة إلى الوزير عبد الله الراسي تشكيل “جبهة مقاطعة الحكم” مطالبين بإستقالة رئيس الجمهورية. وقررت الحكومة التي توقفت عن الاجتماع تسيير عملها من خلال آلية تقتضي بتوقيع المراسيم الجوّالة.

يعتبر المؤرخ فواز طرابلسي أنّه مع تعطيل الحكم والنزاع بين الميليشيات الطائفية نشأ نظام خاص بالحرب الأهلية، وهو نظام “مَسخ” للنظام السياسي والاقتصادي السائد قبل الحرب. “فقد تحوّلت بموجبه الاستقلالية الذاتية للطوائف إلى سيطرة مسلّحة وتطهير طوائفي، فيما الاقتصاد الحر المتفلّت من عقاله تحوّل إلى نهب مافيوي متوّحش. وقد شنّ هذا النظام حربًا جديدة: حربًا تخوضها الميليشيات مجتمعة على الدولة ومواطنيها[21]“. ونشأ اقتصاد موازي (اقتصاد أسود) بسبب المرافئ غير الشرعية، وتحصيل الرسوم الجمركية والضرائب لمصلحة الميليشيات، وزراعة المخدرات والتجارة بها، وتجارة الأسلحة. وكان هذا الاقتصاد محصورًا بنحو 20% عام 1982 حتى أصبح أكثر من 50% في منتصف الثمانينيّات[22].

ويرى الوزير السابق شربل نحاس في مقابلة معه أنّه “تفككت من جهة مؤسسات ورموز ما ورث كدولة، ومن جهة أخرى تمّ تثبيت التقسيم بين الميليشيات والذي كان الخلاف بينها على من يستلمها، أي من يُمأسس قبضته على كل منطقة. وقد أدّى هذا الأمر إلى تغيير عميق ليس ظرفيًا في شكل المجتمع[23]“.

من جهته، يجد عالم الاجتماع سليم نصر أنّ “الدفاع عن نظام الحرب” كان هدفًا مشتركًا لتلك الميليشيات. وقد تضافرت جهودها في ردع المجتمع المدني وفي ردع الأفراد والجماعات الذين كانوا يقاومون نظام الحرب. وعمد نظام الميليشيات مع اتساع رقعة الاحتجاجات في منتصف الثمانينيّات إلى تهديد النقابات والمؤسسات المهنية وإدارات الدولة، وتخريب الاجتماعات والتظاهرات[24].

وعليه، شكّل التحرّك الذي قرره الاتحاد الوطني تحت عنوان “مكافحة الغلاء والاحتكار” محاولة من تلك المحاولات “لمقاومة” مفاعيل الأزمة ضمن الأطر التي وضعتها الميليشيات وهو ما سنحاول تبيانه في هذا البحث. ودعا الاتحاد الوطني إلى عقد “المؤتمر وطني لمكافحة الغلاء والاحتكار” (المؤتمر الوطني) الذي نتج عنه إنشاء “الهيئة الوطنية لمكافحة الغلاء والاحتكار” (الهيئة الوطنية). نجح المؤتمر بإعادة المواجهة إلى الشارع بعد غياب طويل وبإجبار الحكومة التي كانت عادت إلى الانعقاد على وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية ضمن سلّم أولوياتها. في الشق الأول، لعبت الأحزاب اليسارية ومعها الأحزاب المناهضة لليمين اللبناني دوراً رئيسياً في حشد التأييد الشعبي (الحزب التقدمي الإشتراكي، حركة أمل، الحزب الشيوعي، الحزب السوري القومي الاجتماعي). فيما تركّزت جهود الهيئات النقابية والتنظيمات النسائية على تنظيم المؤتمر ومن ثمّ الإضرابات والمسيرات.

التحضير للمؤتمر الوطني الشعبي لمكافحة الغلاء والاحتكار

حدد الياس الهبر عنوان ووجهة الصراع مع النظام مع بداية العام 1985 فوصفه بـ”عام النضالات الشعبية والعمالية الموحدة[25]” وبأنه “عام المواجهة مع الدولة لتصحيح مسار سياستها الاقتصادية وفرض القضية الاجتماعية على طاولة البحث مع الدولة كقضية لا يمكن فصلها عن قضية تحرير الوطن من الاحتلال (الإسرائيلي) بل العكس[26]“. وأعلن الهبر عن التحضير لتحرّك ضد الغلاء والاحتكارات في إطار مؤتمر وطني يمثّل كل المناطق والقطاعات.

تقرر عقد المؤتمر في 17 شباط 1985 وبدأت عملية التحضير والحشد له منذ أوائل كانون الثاني. عيّن النائب ألبير منصور رئيساً للجنة التحضيرية للمؤتمر التي ضمّت أكثر من ستين هيئة بين أحزاب ونواب واتحادات نقابية وعمالية ومنظمات نسائية وشبابية وثقافية وإعلامية وممثلين للهيئات الشعبية في المناطق.

وعرض الهبر المطالب العريضة للتحرّك منها “تصحيح الأجور وفق معدّل ارتفاع الأسعار ودفع أيام التعطيل القسري والدفاع عن ديمومة العمل للقطاعين العام والخاص وتنفيذ المكتب الوطني للدواء[27] والمركز التعاوني الاستهلاكي وتخفيض الأقساط المدرسية، وتحقيق المشاريع الإسكانية وإصلاح الضمان الاجتماعي وتطوير تقديماته، ودعم السلع الاستهلاكية الأساسية[28]“، تلك المطالب التي سيتكرر رفعها على مدى سنوات الحرب وما بعدها دون تحقيق أي نتيجة تُذكر.

لجأ الاتحاد الوطني إلى استراتيجيات مختلفة للتحضير للمؤتمر، منها تنظيم الجمعيات العمومية والندوات وعقد اجتماعات في الأحياء وداخل النقابات. كما عمد إلى التعبئة للمؤتمر في المناطق من الشمال إلى الجنوب بدعم من الأحزاب المحسوبة على اليسار والتي جنّدت مكاتبها العمالية للحشد، فنجح في كسر مركزية القرار المرتبطة ببيروت وفي تحريك المناطق كافة. وحدها “المناطق الشرقية” وشرقي بيروت الواقعة تحت سلطة “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” وحزب “الوطنيين الأحرار” بقيت عصية على الخرق رغم كل محاولات الاتحاد الوطني والجمعيات لحثّها على المشاركة.

تأهبّ القسم الأكبر من النقابات لمواكبة التحضير للمؤتمر في تحرّك نقابي كان الأول من نوعه منذ إندلاع الحرب. توالت الاجتماعات النقابية منها لنقابات العمال الزراعيين، نقابة مستخدمي الفنادق والمطاعم والمقاهي والطهاة، نقابة عمال المطاحن، عمال مصانع الأحذية، عمال البناء والأخشاب، عمال المطابع، عمال الأفران، عمال الصناعات الغذائية، عمال شركة أوجيه لبنان، عمال مصانع الألومينيوم وصب الحديد وعمال ومستخدمو كهرباء لبنان وغيرها من النقابات للحشد للمشاركة في المؤتمر، فعقدوا جمعيات عمومية واجتماعات وندوات لمناقشة أوضاع العمال وعرض مطالبهم.

وإنضمّ الأساتذة إلى التحرّك فدعت رابطة المعلمين في مدارس بيروت الابتدائية والمتوسطة الرسمية للمشاركة في المؤتمر طارحة سلسلة من المطالب أبرزها إقفال المرافئ غير الشرعية ووضع اليد من قبل الدولة عليها، وتأمين الطبابة والاستشفاء المجاني وتنفيذ مرسوم المكتب الوطني للدواء وتطوير وتوسيع التعليم الرسمي وتحقيق إلزامية التعليم المجاني وتنفيذ سياسة إسكان فعلية لمعالجة مشكلة السكن[29].

وبموازاة ذلك، عقدت اجتماعات في مناطق عدّة كإقليم الخروب وعاليه ورأس بيروت والبقاع الغربي وراشيا والمتن الشمالي ضمّت سكان الأحياء وقيادات عمالية وممثلات عن الهيئات النسائية. ونظمت عدّة ندوات منها في حلبا في عكار وفي زحلة وعاليه. وأقيمت مهرجانات خطابية تكلّم فيها ممثلين عن الاتحاد الوطني والأحزاب المشاركة في المؤتمر. وتمّت الدعوة إلى تظاهرات ومسيرات منها في الهرمل لطلاب الثانوية والمدرسة المهنية في المنطقة حيث رفعت شعارات لمكافحة الغلاء والحدّ من إرتفاع سعر الدولار وأخرى في طرابلس تلبية لدعوة “لجان المساجد والأحياء” و”اللجان الإسلامية”.

وبموازاة تحرّك النقابات العمالية، كانت الهيئات النسائية من جهتها تعقد الاجتماعات والندوات وترفع مطالبها للمسؤولين في الدولة في إطار التحضير للمؤتمر.

المشاركة النسائية في مؤتمر مكافحة الغلاء والاحتكار

لعبت الجمعيات النسائية[30] دوراً رئيسياً في تنظيم المؤتمر فأطلقت “أسبوع مكافحة الغلاء” خلال المرحلة التحضيرية الذي تضمّن ندوات واجتماعات وطرح دراسات تقترح تدابير لمكافحة الغلاء والاحتكار[31]. وعقدت سلسلة من الاجتماعات الرسمية، أبرزها مع رئيس الحكومة رشيد كرامي ووزير الاقتصاد والتجارة فيكتور قصير والعمل والتربية سليم الحص لتقديم مطالبهن. في اللقاء الأول، سلّمت رئيسة الوفد النسائي ماجدة كبارة كرامي مذكرة تطالب الحكومة باتخاذ تدابير لردع “التجار والمتلاعبين بالأسعار واعتماد سياسة أسعار وأجور سليمة وعدم ترك المرافق الأساسية كالعلم والتطبيب والسكن تحت رحمة المتاجرين بها[32]“. أما خلال اللقاء الذي ضمّ كل من ليندا مطر وبسمة طرابلسي وفاطمة خليفة مع قصير، فقد رفعت مذكرة طالبت فيها الجمعيات بإحياء المجلس الوطني لسياسة الأسعار، وتنظيم عملية مراقبة الأسعار، وملاحقة المحتكرين وتسعير ودعم بعض المواد الغذائية الأساسية كالخبز والحليب والسكر والسمن[33]. فيما سلّمت ماجدة كبارة على رأس وفد من الهيئات النسائية مذكرة لوزير التربية تطالبه “بتوسيع التعليم الرسمي وتطويره والزاميته وتمديد أقساط المدارس الخاصة وتوحيد الكتاب المدرسي وتسعيره ودعمه[34]“. وقد توجهت الجمعيات النسائية أيضًا إلى المجلس النيابي فقابلت نائب رئيس مجلس النواب منير أبو فاضل وطالبته بتقديم استجواب للحكومة “لتفسير ظاهرة الغلاء وبصياغة مشروع قانون يقضي بتخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية ودعمها من قبل الدولة[35]“.

من جهة أخرى، عقدت الجمعيات النسائية سلسلة من الندوات والاجتماعات منها في مقر جمعية “الشابات المسيحية” استضافت فيها اقتصاديين لشرح أسباب الغلاء وتأثيره على الوضع المعيشي وكيفية معالجته. وفي إطار التحضير في المناطق، عقدت ممثلات الهيئات النسائية في بعلبك اجتماعًا دعت فيه الدولة إلى السيطرة على المرافئ غير الشرعية واتخاذ تدابير للحد من ارتفاع سعر الدولار وإحياء المكتب الوطني للدواء وبناء المساكن الشعبية وتوسيع الدعم ليطال المحروقات والسلع الأساسية[36]. من ناحيتها، اعتبرت لجنة حقوق المرأة خلالها مؤتمرها العاشر برئاسة ليندا مطر أنّ التوصيات الصادرة عن المؤتمر الوطني هو برنامج عمل تلتزمه اللجنة[37].

لكن وعلى الرغم من مشاركة النقابات والهيئات النسائية، فإنّ غياب الاتحاد العمالي عن المشاركة في التحرّك كان ملحوظًا وكذلك أثّر على طابعه السياسي، فعمّق الشرخ بينه وبين الهيئات النقابية الأخرى وأصاب حقوق العمال مباشرة فضاعت بين عجز الاتحاد ووسم التحرّك.

غياب الاتحاد العمالي العام

نجحت التدخلات السياسية والأمنية في تعطيل الاتحاد العمالي. لم يتمكن المجلس التنفيذي للاتحاد من الاجتماع بنصاب مكتمل لأكثر من ستة أشهر بسبب الأوضاع الأمنية في حين خضع رئيس الاتحاد العام أنطوان بشارة ومعه بعض أركان المجلس التنفيذي لضغوط الميليشيات، لاسيما “القوات”، كما سبق وأشرنا. اكتفى الاتحاد العام خلال تلك الفترة بلعب دور المتفرّج في ظلّ اشتداد الأزمة، ينتظر رفع المطالب بدل فرضها ويتحمّل مسؤولية تمييعها أحياناً كثيرة.

واقتصر دور الاتحاد العمالي خلال 1985 على مفاوضة السلطة من خلال الزيارات الرسمية والاجتماعات مع الهيئات الاقتصادية للمطالبة بتصحيح الأجور. ومع تفاقم الأزمة وازدياد الانتقادات لأدائه، راح يصدر البيانات الشاجبة لسياسة الدولة ويعد بإعلان الإضراب العام. وفي حين كان رئيسه أنطوان بشارة يؤكد مراراً إلى الاعلام على وحدة الحركة النقابية، كان عدد من الاتحادات المنضوية تحت الاتحاد العمالي ينتقدون استراتيجياته إلى حد قرارهم المشاركة في المؤتمر الوطني.

فالاتحاد العام اختار خلال تلك الفترة المفاوضة مباشرة مع النظام عبر عقد اجتماعات دورية بأركانه من رئيس الجمهورية والحكومة ووزراء الحكومة وتشكيل لجان تفاوض بين الاتحاد العام والهيئات الاقتصادية ووزير العمل والتربية سليم الحص لبحث مسألة تصحيح الأجور. مما دفع الياس الهبر إلى اتهام فريق داخل الاتحاد العمالي بعرقلة “عمل الاتحاد وشلّ قدرته[38]” دون تسميته، حيث كان يقصد على الأرجح الأعضاء المحسوبين على الأحزاب اليمينية. واستهجن الهبر إخفاق الاتحاد عن مواجهة المرحلة كما يتوجّب عليه، خاصة وأنّ العمّال وذوي الدخل المحدود شكّلوا الفئات الأكثر تضررًا من الأزمة. من جهته، اعترف بشارة مرارًا بعجز الاتحاد العام عن الدفاع عن حقوق العمال مبررًا بأنه اختار “الطريق الصعب لمعالجة الأوضاع والمبني على الحوار الديمقراطي السليم والمراجعات وتقديم الدراسات ورفع المطالب. وهذه الوسيلة لم تعطِ مردودًا إيجابيًا مما أدّى إلى انعدام ثقة العامل بقياداته[39]“. وهو الأمر الذي انتقده الهبر فلام بشارة على خياره بالتفاوض مع السلطة وبـ”اللجوء إلى مسببي الأزمة والإنهيار وتشكيل لجان رسمية وبتغطية عمالية، لم تقرّ في المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي، لوضع الاقتراحات ثبتت فشله المدقع في وقف المأساة[40]“.

ففي الواقع، وكما سبق وذكرنا، كان الاتحاد العمالي يتعرّض لتدخلات وضغوط تمنعه من التحرّك خارج كنف ما توافق عليه الميليشيات، الأمر الذي تجنّب بشارة ذكره في العلن مؤكدًا على وحدة الاتحاد عند كل مناسبة. أشارت رولا أبي حبيب إلى أنّه عندما فاز أنطوان بشارة، “مرشح الجبهة اللبنانية”، في انتخابات الاتحاد العمالي عام 1983، نشرت صحيفة “السفير” في 21 و29 كانون الثاني 1983 أسماء الفائزين مع الإشارة إلى توجهاتهم السياسية: “بشارة (كتائبي)، جوزيف نصر (الأمين العام – كتائبي)، فارس داغر (نائب الرئيس، مقرب من الكتائب). في حين تمّ تخصيص منصب نائب الرئيس الثاني لـ”الاتحادات اليسارية”. كما ذكرت أبي حبيب بأنّ بعض أعضاء الاتحاد لم يكتفوا فقط بزيارة زعماء الميليشيات المسيحية، بل أظهروا ولائهم أيضًا في البيانات الرسمية. فعلى سبيل المثال، أوقف الاتحاد اجتماع مجلسه التنفيذي عقب وفاة بيار الجميّل (مؤسس حزب الكتائب) في 29 آب 1984، وأصدر بيانًا يشيد به، واصفًا إياه بأنه “رمز النضال الوطني الذي كرّس حياته للدفاع عن الاستقلال، والوحدة الوطنية، والمحبة، والتسامح[41]“.

 

بالإضافة إلى ذلك، هاجمت لجنة العمل المشتركة التابعة لـ”الجبهة اللبنانية” في بيان أصدرته قبل يومين من إضراب دعت إليه “هيئة مكافحة الغلاء والاحتكار” “بعض النقابيين” في الاتحاد العمالي الساعين وراء “المكاسب الرخيصة على حساب الكرامة والشرف”. وحذّرت من استمرار هذه الممارسات ما “سيضطر إلى أن تعيد حساباتها بغية قلب الطاولة على الجميع[42]“.

ولكن وعلى الرغم من عدم مشاركة الاتحاد العمالي في المؤتمر، تمكّن الاتحاد الوطني من تنظيم حدث رسم شكل التحرّكات لعام 1985.

انعقاد المؤتمر الوطني لمكافحة الغلاء والاحتكار

عقد المؤتمر الوطني في 17 شباط 1985 في فندق “بوريفاج” في بيروت في حضور 650 عضواً يمثلون حوالي 252 هيئة نقابية وسياسية واجتماعية ونسائية[43] إضافة إلى ممثلي المحافظات[44]، حسب ما ذكرت جريدة “السفير”. كما حضر المؤتمر النواب ألبير منصور وزاهر الخطيب وفريد جبران ونجاح واكيم. وشارك هيثم جمعة مستشار وزير العدل نبيه بري، وفؤاد سلمان عن الحزب التقدمي الاشتراكي، وبشارة مرهج عن اللجان والروابط الشعبية، ومحمود عبد الخالق وداوود باز عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومحمد قليلات عن “المرابطون” والمحامي فؤاد شبقلو والدكتور ميشال غريب وسعيد مغربل وحبيب زيدان عن الاتحاد العمالي، ورئيس اتحاد الطباعة والإعلام ياسر نعمة إضافة إلى أركان الاتحاد الوطني برئاسة الياس الهبر.

وصدر عن المؤتمر سلسلة من المقررات أبرزها الدعوة إلى إضراب عام سلمي في 22 شباط وتشكيل لجنة من أمانة سر اللجنة التحضيرية وممثلي المناطق لمتابعة تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤتمر، على أن تباشر بالاجتماع بالمسؤولين فورًا لرفع مطالبها واقتراحاتها لمعالجة الأزمة. وأكد البيان على اعتماد كل أشكال النضال بما فيها الإضراب والتظاهر من أجل تنفيذ القرارات.

ومن أبرز التوصيات الصادرة عن المؤتمر على صعيد الإنفاق الحكومي ومواجهة العجز المالي:

–      وضع سياسة إنفاق حكومية تعيد النظر جذرياً في تركيب موازنة الدولة باتجاه تقليص الانفاق غير المنتج ووقف الإنفاق على التسليح بشكل أساسي، ووضع حدّ للهدر والتوزيع غير المتساوي بين المناطق.

–      سياسة تعيد سيطرة الدولة على مصادر وارداتها الأساسية، أهمّها المرافئ.

–      سياسة ضرائبية تعتمد زيادة حصة الضرائب والرسوم المباشرة على حساب الضرائب والرسوم غير المباشرة والضريبة التصاعدية على المداخيل واستيفاء الرسوم الجمركية والضرائب من الشركات والتجار وأصحاب الأعمال وعدم زيادة رسوم جديدة على الخدمات العامة.

–      سياسة نقدية ومالية لحماية الليرة ووقف تدهورها والمضاربة عليها.

أما على صعيد استنهاض الاقتصاد الوطني، فدعا المؤتمر إلى:

–      تنمية وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات المنتجة والمرافق النفطية.

–      وضع – سياسة تتجه نحو الاكتفاء الذاتي الغذائي من خلال تنشيط الزراعة على كافة المستويات ووضع وتطبيق روزنامة زراعية تتحد بموجبها سياسة التصدير والاستيراد.

–      سياسة تدخل للدولة في الاستيراد والتصدير للسلع الاستهلاكية الأساسية وإلغاء التمثيل الاحتكاري التجاري (مرسوم 34).

واعتبر المجتمعون أنّ المعالجة الجدية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتطلّب تأمين الشروط السياسية الملائمة ومنها:

–      تحرير الوطن من الاحتلال الإسرائيلي.

–      الشروع في عملية الوفاق الوطني على أساس سياسي واضح وديمقراطي يفسح المجال لوضع حد لجميع التجاوزات على الصعيد الأمني ووضع اليد على المرافق والمرافئ الشرعية ووضع حد للتهريب والصفقات والسمسرات.

–      وقف إطلاق نار دائم وثابت وشامل.

واللافت هنا أنّه لم يصدر أي توصية تخص الوجود العسكري السوري في لبنان، في إشارة واضحة إلى اعتبار المشاركين بأنّ النظام السوري هو نظام صديق ووجوده يشكّل حماية للبنانيين، حسب ما كان يكرر دومًا قادة الأحزاب اليسارية.

ولأجل تحقيق تلك الأهداف، رأى المؤتمر أنه لا بد من وضع سياسة عامة إجتماعية تركز على: مشكلة السكن وتعتمد على التجمعات السكنية الشعبية والتعاونيات الإسكانية؛ تعميم الاستشفاء المجاني للجميع واستيراد الدواء من قبل الضمان الاجتماعي والمكتب الوطني للدواء؛ تعزيز وتوسيع التعليم الرسمي والإلزامي وتطوير الجامعة اللبنانية وتوحيد المناهج التعليمية والكتاب المدرسي وتعزيز التعليم التقني والمهني؛ إصلاح الضمان الاجتماعي؛ اعتماد صندوق البطالة والحدّ من مزاحمة اليد العاملة الأجنبية؛ وضع سياسة جديدة للأجور تعتمد السلّم المتحرّك للأجر واحتساب مؤشر جديد للأسعار على أساس دراسة جديدة لسلّة الاستهلاك واعتماد مؤشر للأجور.

ودعا البيان إلى إشراك ممثلي النقابات والهيئات الاجتماعية والنسائية وصغار المنتجين في الصناعة والزراعة في جميع الأطر والمؤسسات الرسمية المنوط بها وضع الخطط الاقتصادية واستهدافاتها الاجتماعية ومراقبة تنفيذها وتصحيح الثغرات فيها تباعاً بغية تنفيذ تلك السياسات الاقتصادية والاجتماعية[45]. وعليه، بوشر التحضير للتحرّك الأول الذي تمّت الدعوة إليه بعد خمسة أيّام من انعقاد المؤتمر.

التحرّك الأول: إضراب في 22 شباط 1985

بدأ الاستعداد للإضراب بالزخم ذاته وأصدرت الهيئة الوطنية لمكافحة الغلاء والاحتكار (الهيئة الوطنية) وهي اللجنة المكلّفة من المؤتمر الوطني متابعة المقررات والتحضير للإضراب بياناً دعت فيه “العمّال والأجرّاء والموظفين والمواطنين إلى جعل يوم الإضراب مناسبة لعقد الاجتماعات العامة في مراكز العمل والسكن لطرح الشعارات والمطالب التي أقرّها المؤتمر لتنظيم مواصلة الحملة الوطنية الشعبية لتحقيقها[46]“.

ومجددًا، تحرّكت النقابات فدعا الاتحاد الوطني للنقابات واتحاد نقابات عمال البناء والأخشاب ونقابة عمال صبّ الحديد والمعادن ومصانع الألومينيوم والزجاج، والكاراجات والتدفئة والتبريد والصلب، ونقابة سائقي ومالكي السيارات العمومية، وعمال الخياطة، ونقابة عمال وموظفي مصفاة طرابلس واللجنة العمالية الوطنية في مطار بيروت الدولي، واللجنة العمالية لموظفي الميدل-ايست والـ “تي.أم.أي” إلى المشاركة في الإضراب. وواكبتهم أيضاً اللجان المشكلة عن المؤتمر في الكورة وعكار وإقليم الخروب وبرجا. وكذلك، دعا مكتب المعلمين في لبنان جميع أفراد الهيئة التعليمية في القطاعين الرسمي والخاص إلى تنفيذ قرار الإضراب. وفي غضون ذلك، قامت الهيئة الوطنية بسلسلة من الزيارات لكرامي، الحص، والمفتي الجعفري الشيخ عبد الأمير قبلان لعرض توصيات المؤتمر.

شمل الإضراب أجزاء كبيرة من بيروت بالإضافة إلى النبطية وصيدا، وبعلبك وزحلة والبقاع وطرابلس والبترون والكورة وعكار وإلى الإقليم ومدن وقرى الشوف وعاليه والمتن الأعلى وبعض قرى المتن الشمالي. وأقفلت المحال التجارية وامتنع موظفو المصارف من الحضور إلى العمل. وتوقف من جراء ذلك تبادل العملات في السوق المالية، في حين توقف العمل في مطار بيروت لمدة ساعة وطوال النهار في مصفاة تكرير النفط في طرابلس. ولم تضرب المنطقة الشرقية من بيروت بعد بيان أصدرته “لجنة العمل المشتركة” التابعة لـ “الجبهة اللبنانية” هاجمت فيه الإضراب والاتحادات العمالية والهيئات المشاركة في المؤتمر الوطني[47]. ورأت اللجنة في بيان أنّ النوايا الحقيقية وراء “تحرّكات ترتدي طابعًا نقابيًا واجتماعيًا ومعيشيًا، هي في الحقيقة نواة مؤامرة تقضي بإطاحة النظام السياسي والاقتصادي في البلاد”. ووصفت المؤتمر على أنه مؤتمر “للتجويع والإفقار”، معتبرًة أنّ الإضراب سيدخل البلاد “في نفق مجهول[48]“.

ونقلت “السفير” أنّ لجنة العمل المشتركة” عممت على جميع المؤسسات خصوصًا الصناعية بعدم التجاوب مع الإضراب وقد قامت بالتحقيق مع عدد من العمال كانوا قد راجعوا إداراتهم في شأن الإضراب[49]. وتمّ إستثناء المستشفيات والصيدليات والأفران والمؤسسات الاعلامية من الإضراب.

وأمهلت الهيئة الوطنية الحكومة مدّة شهر لاتخاذ القرارات الخاصة بإقرار تصحيح الأجور وفق مؤشر الاتحاد العام بنسبة 25.8% عن العام 1984 للقطاعين العام والخاص وقوى الأمن والجيش واستيراد الأدوية من قبل الضمان الاجتماعي والمكتب الوطني للأدوية واستيراد السلع الاستهلاكية بواسطة مركز التسويق التعاوني والاستمرار في دعم السلع المدعومة وهددت الهيئة بتصعيد تحرّكها بدءاً بالاعتصامات وصولاً إلى العصيان المدني وبالامتناع عن دفع الرسوم والمترتبات للدولة[50].

وكما جرت العادة، وعدت الحكومة بتنفيذ المطالب لاسيما تلك المتعلقة بالدواء لكنها نجحت مرة أخرى في تمييعها عبر تشكيل لجان لمتابعة تلك الملفات، في حين لم ترفع الهيئة الوطنية سقف المواجهة كما كانت قد وعدت، فدعت بعد حوالي شهر إلى مسيرة في بيروت والمناطق.

التحرّك الثاني: تظاهرة في 26 آذار 1985

في خضّم مفاوضات الاتحاد العمالي مع الهيئات الاقتصادية ووزير العمل لتصحيح الأجور في محاولة منه لتحقيق مكسٍب ما عبر رفع الأجور، دعت الهيئة الوطنية لمسيرة سلمية في بيروت في 26 آذار. وكما العادة، تحرّكت النقابات المذكورة سابقاً لمواكبة المسيرة التي إنطلقت من الأونيسكو وصولًا إلى القصر الحكومي في الصنائع. شارك حوالي 30 ألف شخص في المسيرة ورددوا شعارات تندد بالغلاء والاحتكار وحملوا لافتات أبرزها كان: “نعم لإقرار السلّم المتحرك للأجور، الاقتصاد الحر = تخمة التجار + جوع الشعب، مطالبنا: العمل – الطبابة – التعليم – الماء – الكهرباء، بيوتهم دافية والفقراء بلا بيوت، مجانية التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية حق مقدس لأبناء شعبنا[51]“.

وتجاوبت مناطق إقليم الخروب، شتورة، بعلبك، الهرمل، عكار والكورة مع دعوة الهيئة الوطنية، فنفذت إضرابات متفاوتة وأقيمت جمعيات عمومية وانطلقت مسيرات شعبية وطلابية للغاية نفسها. بينما لم تلتزم طرابلس بالإضراب واعتبر ناطق بإسم “اللقاء الإسلامي” بأنّ “الإضراب ليس الطريقة المثلى لمواجهة الغلاء[52]“. في حين أشارت “السفير” إلى أنّ التجاوب في المدينة اقتصر على بعض المدارس والمعاهد التربوية[53].

وشارك في المسيرة الياس الهبر، والنقابيون فوزي أبو مجاهد، الياس البواري، ياسر نعمة، علي جابر، عبد الأمير نجدة، رئيسة لجنة العناية بالطفل والأم زاهية سلمان، رئيسة لجنة حقوق المرأة ليندا مطر، ومندوبات عن الهيئات والمنظمات النسائية، وممثلين عن التجمعات والمنظمات الشبابية والطلابية والشعبية، إضافة إلى أعضاء الهيئة الوطنية. كما شارك أعضاء من الأحزاب الداعمة للهيئة.

لم تدفع المسيرة النواب إلى التحرّك فاستمر المجلس النيابي بتجاهل الشارع، ولم يدعُ رئيسه حسين الحسيني إلى جلسة لمناقشة سياسات الحكومة الاقتصادية الاجتماعية حتّى. هكذا، انكفأت الهيئة الوطنية لفترة، فخرجت من الشارع واكتفت بلعب دور المعلّق على الأحداث.

من الشارع إلى البيانات

تمكنت الهيئة الوطنية في أقلّ من شهرين من إعادة الزخم إلى الشارع ومن سدّ فراغ الاتحاد العمالي. لكن الهيئة لم تتمكن من خرق الجدار المنيع الذي بناه النظام النيوليبرالي على الرغم من تأكيد الهبر على أنها نجحت في “الضغط على الاحتكارات وعلى الدولة ونهجها الاقتصادي والاجتماعي[54]“. إنما الواقع كان مختلفًا تمامًا إذ استمر المحتكرون بالتلاعب في الأسعار وحتى بقطع بعض المنتجات والأدوية من السوق وزاد التضخّم فلم يحقق القرار الذي اتخذته الحكومة لتصحيح الأجور في نيسان 1985 المرجو منه بعد أن فقد الأجر قيمته نتيجة الانهيار المتسارع. وعلاوة على ذلك، سرعان ما قرر وزير المال كميل شمعون رفع الدعم عن المحروقات في أيلول 1985 على الرغم من تحذيرات الهيئة فيما استمرت الحكومة في المماطلة بتنفيذ أي من الإصلاحات المطلوبة مكتفية بإطلاق الوعود.

وأمام اشتداد الأزمة واستفحال الغلاء، اكتفت الهيئة بإصدار البيانات المستنكرة لقرارات الحكومة وبمناشدتها التخفيف من وطأة الأزمة بالإضافة إلى القيام بزيارات رسمية للوزراء المعنيين. فعقدت الهيئة مؤتمرًا صحافيًا في 9 أيلول 1985 للتعليق على قرار رفع الدعم وطرحت خطة لتفادي تكرار الأزمات الناتجة عنه. وطالبت بتقدير حاجات الاستهلاك من المشتقات النفطية وحاجات الاقتصاد اللبناني عمومًا وذلك لتفادي تعريض السوق لعجز دوري وفوضى مستشرية، بالإضافة إلى تشغيل مصفاتي طرابلس والزهراني بطاقتهما القصوى وتطويرهما بهدف تقليص الاستيراد تدريجيًا وصولًا إلى التوقف عنه نهائيًا، وتوسيع طاقة التخزين في المصفاتين وفي بيروت الغربية والجبل والبقاع. وحثّت الهيئة الحكومة على تدعيم أجهزة الرقابة وزيادة فعاليتها، واعتماد سياسة تسعيرية متوازنة، والاستفادة من علاقات لبنان العربية ومن مرور النفط بأراضيه وذلك بإنشاء صناعة بترولية ذات طابع تصديري بالتعاون مع البلدان العربية المنتجة[55]. وهددت الهيئة باللجوء إلى تدابير على الأرض لضمان توزيع الخبز والبنزين إلى المواطنين بالأسعار الرسمية، إلا أنها لم تنفذ تهديدها.

واجتمعت الهيئة الوطنية بالحص للتنديد بقرار رفع الدعم والمطالبة بالعودة عنه وبالتركيز، بصفته وزير التربية، على تطوير التعليم الرسمي وانتظام التدريس في المدارس الرسمية وتجميد الأقساط وأسعار الكتب. وكذلك، زارت بري للبحث معه في كيفية إبطال القرار، والتقت جنبلاط الذي أعلن دعمه وتأييده الكامل لتحرّكاتها بعد أن كان الحزب التقدمي الإشتراكي قد رفض قرار شمعون.

أما اللافت فقد كان موقف رئيس الاتحاد العمالي الذي صرّح بأنه مع رفع الدعم مقابل تنفيذ السلطة سلّة من الإصلاحات اتفق عليها مع أركانها، أبرزها “إعادة استعمال قسم من العجز في صندوق المحروقات في حقول الإنتاج والسكن وتعاونيات النقل؛ زيادة الأجور وتأمين الدواء بواسطة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والإنطلاق فورًا بالنقل المشترك وتفعيل دور القطاع العام على الصعيد الصحي والتعليمي؛ مكافحة الهدر على أن يطال التقشف الدولة أسوة بالمواطن؛ إنشاء مجلس وطني اقتصادي اجتماعي ووضع خطة للطاقة؛ وتعديلات تشريعية في قانون الضمان الاجتماعي[56]“.

لكن وعود السلطة بقيت مرًة أخرى حبرًا على ورق، في حين سقط بشارة مرة أخرى في فخّ النظام. ونتيجة ذلك، هاجم عدد من النقابات الاتحاد العمالي مجددًا، فانتقد الهبر خلال الجمعية العمومية للاتحاد الوطني “مواقف قيادة الاتحاد العمالي العام وتوجيهاتها وتخلّفها عن مواكبة النضال العمالي التي تضرّ بمصالح الجماهير العمالية وتضعف الوحدة النقابية[57]“. فيما أكد ممثلو 10 اتحادات عمالية في اجتماع لهم “التمسك بحرّية العمل النقابي ورفض أي هيمنة على الحركة النقابية من أيه جهة كانت[58]“.

وأمام تخلّي الدولة عن مسؤولياتها ورضوخها للميليشيات وللمحتكرين من جهة، ولجوء الاتحاد العمالي إلى تكتيك التفاوض مع سلطة أثبتت مرارًا عجزها عن تطبيق أي تدبير إصلاحي، قررت الهيئة الوطنية العودة إلى الشارع والدعوة إلى الإضراب مجدداً في منتصف كانون الأول 1985.

التحرّك الثالث: إضراب في 12 كانون الأول 1985

تبعاً لقرار رفع الدعم عن المحروقات، دعت الهيئة والمكاتب العمالية في الأحزاب الداعمة لها بالإضافة إلى الهيئات النسائية إلى الإضراب في 12 كانون الأول. ومرة أخرى، غاب الاتحاد العمالي عن الإضراب وبرر بشارة ذلك بعدم قدرة المجلس التنفيذي على الاجتماع لاتخاذ قرارًا موّحدًا مؤكدًا أنه لا يعارض الإضراب لاسيما أنّ قبول الاتحاد العمالي برفع الدعم كان مشروطًا بتدابير اقتصادية واجتماعية لم تُنَفَذ وأنّ الاتحاد العمالي سيدعو إلى الإضراب المفتوح في حال استمرت الحكومة بتجاهل مطالب الحركة النقابية[59]. إلا أن 12 اتحادًا عماليًا دعوا للالتزام بإضراب الهيئة متجاهلين تصريحات بشارة وهم: الاتحاد الوطني، واتحادات الجنوب، المصارف، البترول، الأغذية، الطباعة والإعلام، جامعة النقابات، النقل البحري، التأمين، المصالح المستقلة، الصحة والبناء والأخشاب[60].

وكررت الهيئة المطالب المرفوعة سابقًا بالإضافة إلى مجموعة جديدة أهمّها الرفض الحازم لإلغاء الدعم عن المحروقات والطحين، تجميد الأقساط المدرسية للعام 85-86 ورفض رفع أسعار الكتب المدرسية، تسيير النقل المشترك في العاصمة والضواحي وبين العاصمة وسائر المناطق اللبنانية وفي ما بينها، والرفض الحازم لزيادة أسعار الخدمات العامة من كهرباء وماء وهاتف ورسوم بلدية[61].

ودعت الهيئة الوطنية إلى عقد المؤتمرات في المناطق وإطلاق أوسع حملة شعبية لمواجهة قرارات الدولة. وطلبت من وسائل الإعلام وخصوصًا تلفزيون لبنان إلى إطلاق حملة إعلامية ضد الاحتكارات والغلاء وتنظيم ندوات إعلامية تشارك فيها الهيئة حول قضايا الدعم والأقساط المدرسية وديمومة العمل وارتفاع الأسعار في مجالات الدواء والطبابة والتعليم والسكن والغذاء والخدمات العامة.

ونفذت بيروت الغربية والضاحية الجنوبية والجبل والشوف والجنوب والبقاع بما في ذلك زحلة والشمال وزغرتا الإضراب العام، في حين لم تلتزم بيروت الشرقية نتيجة قرار “القوات” و”الكتائب” مقاطعة الإضراب على رغم مناشدة الهيئة لـ”أبناء المنطقة الشرقية” بالتضامن مع الإضراب “بالطرق التي يرونها مناسبة[62]“. إذ إعتبر رئيس “جهاز النقابات والشؤون الاجتماعية” في “القوات” إيلي أسود أنّ “الإضراب التحذيري لا يعدو كونه بيانًا مزورًا اعتاد مثله الشيوعيون ولا علاقة لمعظم رؤساء الاتحادات به[63]“، بينما أكدّت الهيئة في بيانها أنّ الدعوة “ليست يسارية وأنّ المجاعة خطر داهم سيطاول الجميع[64]“.

وقد عمّ المناطق إقفال تام للمؤسسات الرسمية والخاصة، كما توقفت حركة الملاحة ساعة واحتجبت صحف المنطقة الغربية فيما صدرت صحف المناطق الشرقية، الأمر الذي اعتبره نقيب المحررين ملحم كرم “انقسامًا إعلاميًا حقيقيًا[65]“. وانطلقت تظاهرات سيارة وراجلة في عدد من الأحياء في بيروت الغربية وخلدة والناعمة والرميلة وصيدا وطرابلس وأقيمت ندوات شعبية في منطقة المتن الأعلى. وقد رفع المتظاهرون يافطات وأطلقوا هتافات طالبت بإسقاط قرار رفع الدعم فيما قابل وفد نقابي كرامي والحسيني وبري[66].

خاتمة

تمكّن الاتحاد الوطني من إعادة الزخم إلى الشارع بعد فترة انقطاع طويلة شهدت معظمها إضرابات للأساتذة والعمال. وتمكّن من تجاوز ضغوط الميليشيات بسبب انضمام تلك التي كانت تحارب في المناطق الغربية إلى هذه التحرّكات، في محاولة منها للضغط على حكم أمين الجميّل الذي سرعان ما تجددت الخلافات معه بعد إسقاط الاتفاق الثلاثي في بداية عام 1986. ولعلّها أيضًا سعت من خلال المشاركة بهذا الزخم في احتواء الغضب العمالي والشعبي الذي كان قد بدأ بالظهور مع تفاقم الأزمة الإقتصادية والإجتماعية.

توجّه الاتحاد الوطني إلى الدولة لمطالبتها بوضع سياسات لمعالجة المشاكل في جميع القطاعات. ولكن هذه الدولة التي خاطبها كانت تضمّ جميع القوى الحزبية في حكومة “الوحدة الوطنية” التي رأسها رشيد كرامي. فحين كان يطالبها بتأمين الطبابة والتعليم والسكن، كان يطالب نبيه بري ووليد جنبلاط، الذين جنّدا حزبيهما لضمان نجاح المؤتمر الوطني ومن ثمّ تحرّكات الهيئة الوطنية. كما أنّ رئيس الاتحاد الياس الهبر كان مدركًأ بأنّ الميليشيات هي التي كانت تحكم على الأرض وهي التي كانت مسؤولة عن نهب الدولة وإضعافها. فلمَ إذًا التوجّه إليها وتحميلها مسؤولية الفشل وإعفاء قوى الأمر الواقع؟

قد يكون الجواب مرتبط بتوجهات الاتحاد الوطني اليسارية، ما جعله يتحالف مع أحزاب مثل التقدمي الاشتراكي وحركة أمل لرفع مطالبه. وقد يكون سببه أيضًا تبنّي الاتحاد مقاربة جديدة للتعامل مع تلك الأحزاب بعد فشل الاتحاد العمالي في الحصول على أي مطلب باستثناء التصحيح الدوري للأجور عبر لجوءه إلى استراتيجية التفاوض. إنما استبدال تكتيك بآخر وتحالفات بأخرى لم تسهم في الوصول إلى الأهداف المنشودة، فالتوصيات بقيت حبرًا على ورق والتهديدات لم تحرّك آذان سامعيها.

لكن تجدر الإشارة، إلى أنه وبالرغم من هذا كلّه، نجح الاتحاد الوطني في تنظيم تحرّك جمع تنظيمات مختلفة، عمالية، شبابية، نسائية وحزبية. ووضع للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب سلسلة مطالب واضحة تمثّل جميع هؤلاء وتسعى لإعادة التركيز على المجتمع الذي أثكلته الحرب وبدأت تضغط عليه الأزمة. وقد حاول مرارًا تخطّي الانقسام السياسي والطائفي عبر استقطاب المناطق الشرقية المحسوبة على الأحزاب المسيحية، لكنه فشل بسبب هويته وتوجهاته وتحالفاته وبسبب السيطرة الكاملة “للقوات” على تلك المناطق.

 حتى أن الانقسام انعكس على الإعلام، فلم تُعِر “النهار” المحسوبة على اليمين اللبناني أهمية لتحركات الهيئة الوطنية وتمنّعت عن تغطية نشاطاتها واكتفت بتقارير عن الإضرابات والمسيرات في حين خصصت “السفير” المحسوبة على اليسار مساحات كبيرة لأعمال للمؤتمر ومن ثمّ الهيئة. بالإضافة إلى ذلك، تضاربت المعلومات بين الصحيفتين فحاولت “النهار” التخفيف من زخم الحراكات ونقلت معلومات أشارت “السفير” إلى أنها مغلوطة.

ومع سقوط الاتفاق الثلاثي الذي وللمفارقة وقّعه كلّ من التقدمي الإشتراكي وحركة أمل والقوات، والذي إن دلّ على شيء فهو رغبة الميليشيات المتناحرة بتقاسم السلطة بينها رسميًا، وانتقال معركة الأحزاب اليسارية إلى المطالبة بإسقاط الجميّل،  إنكفأت الهيئة الوطنية من الشارع مع بداية عام 1986 إذ التزمت الهيئة بالتعليق على الأحداث عبر البيانات والمؤتمرات الصحافية وبمشاركة الاتحاد العمالي، العائد إلى الشارع، في تحرّكاته.

 

[1] عدنان الحاج، عام الانهيار، جريدة السفير، 27 كانون الأول 1985

[2] Abi Habib, Roula “L’action de la Confédération Générale des Travailleurs Libanais de 1975 à 1992: Portée et Limites.” Annales de Sociologie et d’Anthropologie, 1997, no. 6-7, pp. 77-109.

[3]  تأسس عام 1939 تحت اسم “اتحاد نقابات مستخدمي وعمال لبنان”، برئاسة مصطفى العريس، وقد تمّ تغيير اسمه عدّة مرات ليستقرّ أخيرًا على اسم “الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان FENASOL”

[4] Bou Khater, Lea. The Labour Movement in Lebanon: Power on Hold. Manchester: Manchester University Press, 2022

[5] حسب بو خاطر، تأخرت إدانة الاتحاد العمالي العام للغزو الإسرائيلي للجنوب في آذار 1978 15 يومًا بسبب عدم اتفاق المجلس التنفيذي على موقف موحد.

[6] Bou Khater, Lea.

[7] Abi Habib, Roula.

[8] Bou Khater, Lea.

[9] الاقتصاد الفلسطيني كان في عام 1981 مصدرًا لأكثر من 15% من الناتج المحلّي الإجمالي للبنان. ووفرت منظمة التحرير 10000 فرصة عمل مباشرة و30000 فرصة عمل غير مباشرة وبلغ عدد مقاتليها 15000 فرد كانوا ينفقون القسط الأكبر من رواتبهم داخل لبنان. والأرجح أن ميزانية المنظمة كانت أكبر من ميزانية الدولة. (نصر، سليم. سوسيولوجيا الحرب في لبنان، أطراف الصراع الاجتماعي والاقتصادي 19701990، بيروت: دار النهار، 2013)

[10] مقابلة مع الصحافي الاقتصادي محمد زبيب، 7 شباط 2024

[11] عدنان الحاج، المرجع المذكور أعلاه.

[12]  نصر، سليم.

[13] مقابلة مع محمد زبيب

[14] طرابلسي، فواز. تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر، 2008

[15] مقابلة مع محمد زبيب

[16]الحاج، عدنان.

[17] نصر، سليم.

[18] نصر، سليم.

[19] الاتفاق الثلاثي كان اتفاق قصير الأمد بين حركة أمل، الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية لإنهاء الحرب الأهلية، وُقّع في دمشق في 28 كانون الأول 1985. شرّع الاتفاق الوجود العسكري السوري في لبنان ومنح سوريا نفوذًا قويًّا في الشؤون الداخلية اللبنانية.

[20] وقعت مواجهات دامية بين “قوات” جعجع المدعومة من “كتائب” الجميّل و”قوات” حبيقة أدّت في النهاية إلى هزيمة هذا الأخير وفصله عن “القوات” وتعيين سمير جعجع رئيسًا للهيئة التنفيذية.

[21] طرابلسي، فواز.

[22] نصر، سليم.

[23] مقابلة مع شربل نحاس، 14 آذار 2024

[24] نصر، سليم.

[25] الهبر: الطبقة العاملة ستزيد من نضالها لتحرير الأرض وحل المشاكل الاجتماعية، جريدة السفير، 1 كانون الثاني 1985

[26] الهبر: القضية الاجتماعية وضعت في مستوى القضية الوطنية وعلى الدولة تصحيح المسار الاقتصادي، جريدة السفير، 5 كانون الثاني 1985

[27] تمّ إنشاء “المكتب الوطني للدواء” عام 1973 وكانت من مهامه الأساسية: استيراد الدواء وبيع وتصدير الأدوية، في محاولة لإنهاء احتكار الشركات الخاصة على سوق الدواء. لكن القانون بقيَ دون مراسيم تطبيقية وعاد وعدّل بقانون عام 1983 لم تصدر مراسيمه التطبيقية حتى 1993 واستمرت المماطلة في إقرار ملاك المكتب حتى عام 1998، وهو اليوم موجود ولكنه لا يعمل.

[28] المرجع المذكور أعلاه.

[29] التحرّك الشعبي لمواجهة الغلاء، اجتماعات وندوات وتظاهرة في طرابلس، جريدة السفير، 9 شباط 1985

[30] أبرزها: لجنة حقوق المرأة، اللجنة النسائية في الإدارة المدنية، الاتحاد النسائي الوطني، بيت المرأة الجنوبية، جمعية العناية بالطفل والأم، جمعية إنعاش القرية،.

[31] الجمعيات النسائية تنظم أسبوعًا لمكافحة الغلاء، جريدة السفير، 7 كانون الثاني 1985

[32] الجمعيات النسائية تناشد كرامي الإسراع في معالجة مشكلة الغلاء، جريدة السفير، 9 كانون الثاني 1985

[33] المؤتمر الشعبي لمكافحة الغلاء في 17 شباط ومذكرة لقصير من الجمعيات النسائية، جريدة السفير، 12 كانون الثاني 1985

[34] أسبوع مكافحة الغلاء: مذكرة نسائية لوزير العمل، جريدة السفير، 8 كانون الأول 1985

[35] الجمعيات النسائية تطالب أبو فاضل باستجواب الحكومة لتفسير ظاهرة الغلاء، جريدة السفير، 13 كانون الثاني 1985

[36] تحرك شعبي ونقابي لمكافحة الغلاء مهرجان في الضاحية يحمل الدولة المسؤولية، جريدة السفير، 4 شباط 1985

[37] لجنة حقوق المرأة اللبنانية، قرارات وتوصيات للمؤتمر العاشر، جريدة النهار، 09 آذار 1985

[38] الهبر: القضية الاجتماعية وضعت في مستوى القضية الوطنية، المرجع المذكور أعلاه

[39] بشارة: طالبت مجلس الوزراء بتفعيل القطاع العام لينافس القطاع الخاص، جريدة السفير، 21 كانون الثاني 1985

[40] الهبر يطالب بمكافحة ميدانية للمتلاعبين وباعتماد سياسة الإنفاق المنتج، جريدة السفير، 27 كانون الثاني 1985

[41] Abi-Habib, Roula

[42] “العمل المشتركة” تعارض الإضراب وتلوح بـ”قلب الطاولة على الجميع”، جريدة النهار، 22 شباط 1985

[43] شارك في المؤتمر 252 هيئة نقابية وسياسية وطالبية ونسائية موزعة كالآتي: اتحادات ونقابات عمالية، فلاحين وعمال زراعيين: 43 منظمة؛ مؤسسات وهيئات اجتماعية: 27 منظمة؛ منظمات طلاب وشباب وأساتذة تعليم ومؤسسات ثقافية: 38 منظمة؛ منظمات نسائية: 26؛ هيئات شعبية ومؤتمرات فرعية: 45؛ لجان عمالية: 11؛ أحزاب سياسية ومكاتب عمالية: 39؛ صحافة ووسائل إعلام: 23؛ نواب وشخصيات مستقلة: 45.

[44] 252هيئة سياسية ونقابية واجتماعية في مؤتمر مكافحة الغلاء: قرار بالإضراب السلمي العام يوم الجمعة المقبل، جريدة السفير، 18 شباط 1985

[45] المرجع المذكور أعلاه.

[46] بيانات تؤكد على الإضراب العام السلمي غداً في استثناء المستشفيات والأفراد والإعلام، جريدة السفير، 21 شباط 1985

[47] إضراب عام…لمكافحة الغلاء، جريدة السفير، 23 شباط 1985

[48] “العمل المشتركة” تعارض الإضراب وتلوح بـ”قلب الطاولة على الجميع”، جريدة النهار، 22 شباط 1985

[49] شلل في القطاع المصرفي والتجاري والصناعي ومصفاة طرابلس، جريدة السفير، 23 شباط 1985

[50] هيئة مكافحة الغلاء تمهل الدولة شهراً لتصحيح الأجور واستيراد الأدوية والسلع، جريدة السفير، 7 آذار 1985

[51] 30 ألفاً حذروا في بيروت من حرب الجوع، جريدة السفير، 27 آذار 1985

[52] مسيرة “مكافحة الغلاء والاحتكار: موعدنا 6 نيسان، جريدة النهار، 27 آذار 1985

[53] المرجع أعلاه

[54] الهبر: النقابات لن تكون شاهد زور على نهب لقمة العيش والمجاعة، جريدة السفير، 14 نيسان 1985

[55] هيئة مكافحة الغلاء تنذر بخوض معركة مواجهة مع الحصار التمويني، جريدة السفير، 10 أيلول 1985

[56] بشارة في مؤتمر صحافي: إضراب مفتوح بعد شهر إذا لم تحقق المطالب العمالية، جريدة السفير، 12 كانون الأول 1985

[57] الجمعية العمومية للاتحاد الوطني لديمومة العمل وتصحيح الأجور، جريدة النهار، 19 تشرين الثاني 1985

[58] ممثلو 10 اتحادات رفضوا “الهيمنة” وتمسكوا بحرية العمل النقابي، جريدة النهار، 20 تشرين الثاني 1985

[59] بشارة في مؤتمر صحافي: إضراب مفتوح بعد شهر إذا لم تحقق المطالب العمالية، جريدة السفير، 12 كانون الأول 1985

[60] 12 إتحاداً لإضراب الخميس، جريدة النهار، 7 كانون الأول 1985

[61] الجمعية العمومية لهيئة مكافحة الغلاء: مسيرات في بيروت والمناطق الشهر المقبل ومطالبة القوى السياسية بالإصلاح الاقتصادي، جريدة السفير، 26 تشرين الأول 1985

[62] نداء من هيئة مكافحة الغلاء والاحتكارات إلى الغالبية المغلوب على أمرها في الشرقية، جريدة السفير، 11 كانون الأول 1985

[63] أحزاب أيّدت الدعوة للإضراب والقوات تحدثت عن “تزوير”، جريدة النهار، 8 كانون الأول 1985

[64] بيانات حزبية ونقابية تأييداً للإضراب المقرر غداً، جريدة النهار، 11 كانون الأول 1985

[65] الإضراب العام ينفذ اليوم في بيروت والمناطق، جريدة السفير، 12 كانون الأول 1985

[66] نداوات ومظاهرات طالبت بوقف “التجويع”، جريدة السفير، 14 كانون الأول 1985