نضال للسلام وحقوق الإنسان: قصة مسيرة الأشخاص ذوي الإعاقة عام 1987

المحرر: نسعى من خلال مشروع “الحراكات الاجتماعية في لبنان” إلى توثيق الصراعات الاجتماعية التي شهدها لبنان مع بدء الأزمة الاقتصادية خلال الحرب الأهلية (1982–1990)، لاسيما الفترة الممتدة بين عامي 1985 و1987، حيث بدأت تؤثر بشكل كبير على المجتمع، المنهك جراء عشر سنوات من التقاتل بين الميليشيات المحلية، واجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب وصولًا إلى العاصمة بيروت وتمركز الجيش السوري على أراضيه. وعليه، اخترنا التركيز على هذه المرحلة لأهميتها من حيث التأسيس للنظام اللبناني ما بعد الحرب الذي تسبب بثالث أسوأ أزمة اقتصادية في التاريخ أولًا، ولما تحمله هذه الأزمة من أوجه شبه مع الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخ لبنان الحديث ثانيًا، وأخيرًا والأهم لأنه لم يتمً تسليط الضوء عليها بشكٍل كافٍ مقارنًة بالإنتاجات حول الأعمال الحربية أو التدخلات الخارجية خلال الحرب مثلًا. من هذا المنطلق، نركّز في هذا المشروع على دراسة دور الفاعلين الجماعيين، وطرق مقاومة المجتمع في أوقات الأزمات، والتكتيكات والاستراتيجيات المستخدمة، والانتصارات والخسائر على الطريق. وتبعًا لذلك، نحاول بناء أرشيف للحراكات الاجتماعية في لبنان وسرد قصة ليست فقط عن الانهيار والكوارث، ولكن أيضًا عن المقاومة والأمل. وبناء عليه، نستعرض معكم سلسلة مقالات هدفها تسليط الضوء على حراكات العمّال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة والمعلمين في تلك الفترة الممتدة ما بين 1982-1990.

ولتبسيط عملية الاطلاع على توثيق هذه الحراكات الاجتماعية ، قمنا بإعداد قاعدة بيانات الكترونية ، مصممة على شكل جدول زمني، تمكنّ الباحث الى الوصول إلى المعلومات، من خلال طريقتين رئيسيتين:

  1. عرض الأحداث عبر كتالوج الأحداث (استنادًا إلى أرشيف صحيفتي “السفير” و”النهار“)

  2. عرض التاريخ الشفوي (استنادًا إلى المقابلات والتواريخ الحياتية). ويمكن الاطلاع على كتالوج الأحداث عبر زيارة الموقع الإلكتروني لمركز الدراسات اللبنانية، فيما تمّ الاستعانة بالمقابلات في المقالات المنشورة حول هذه الحراكات.

وقد قمنا في المقالة الأولى بمراجعة طبيعة النظام اللبناني الذي يستمرّ في إنتاج الأزمات وكيفية تعاطيه مع تلك الأزمات. كما تناولنا في المقالة الثانية حراك “الهيئة الوطنية لمكافحة الغلاء والاحتكار” عام 1985، والذي شكّل إعلانًا لعودة التحرّكات العمالية المنظمة إلى الساحة. ونتطرّق في المقالة الثالثة من هذه السلسلة إلى المسيرة التي نظّمها الأشخاص ذوي الإعاقة في تشرين الأول 1987 رفضًا للحرب ودعمًا للحقوق الإنسان.

مقدمة

أدّت الحرب الأهلية اللبنانية إلى إصابة آلاف الأشخاص بإصابات وجروح تسببت بإحداث إعاقات جسدية وبصرية وسمعية واضطرابات نفسية لآلاف المواطنين والمقيمين في لبنان. ورغم غياب إحصاءات دقيقة عن عدد المصابين الذين أصبح لديهم إعاقات نتيجة النزاع المسلّح، غير أنّ البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية تشير إلى أن من بين 77 ألف شخص استحصلوا على بطاقات الإعاقة، 57% منهم أصبح لديهم إعاقة بسبب النزاعات المسلحة إبّان الحرب الأهلية في لبنان1.

ومع ازدياد عدد الأشخاص الذين أصبح لديهم إعاقات بسبب الحرب، بادرت الميليشيات اللبنانية كافة وحسب انتمائها السياسي والديني والاجتماعي إلى إنشاء مؤسسات ومراكز تأهيلية وطبية خاصة بها تعنى بتقديم خدمات الرعاية الصحية والعلاجية وبإعادة تأهيل المقاتلين والمدنيين المناصرين لها2. في المقابل، ظهرت مبادرات مستقلة أخرى غير مرتبطة بأي جهة سياسية3. وقد تميّزت هذه المبادرات بتقديم خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة دون تمييز طائفي ومذهبي وانتماء سياسي. وبالرغم من إنشاء بعض الجمعيات والمؤسسات التي تعنى بتقديم خدمات خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة خلال فترة الحرب الأهلية، غير أنّ العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة قد عانوا من تهميش سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، خاصة في الشمال والجنوب والبقاع مع غياب الجمعيات والمؤسسات التي تعنى بتقديم خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة. كما أنّ وضع اللاجئين الفلسطينيين لم يكن أفضل من وضع الأشخاص ذوي الإعاقة، فهم أيضًا عانوا من الاقصاء والتهميش حيث أنهم قد حُرِموا من الاستفادة من خدمات مكتب الإنماء الاجتماعي4” (Office of Social Development) ومعظم خدمات مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة5.

يعتبر الدكتور نواف كبارة، رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان6، أنه مع بداية الثمانينيّات، بدأ الأشخاص ذوو الإعاقة بالخروج عن الإطار التقليدي الذي فرضته عليهم المؤسسات والميليشيات، وشرعوا بتنظيم أنفسهم بطريقة مستقلة. وقد سعت منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة إلى تجاوز النموذج الطبي للإعاقة القائم على مفهوم الرعاية الطبية، وتبنّت بدلاً من ذلك مقاربة ترتكز على مبادئ الحقوق السياسية والاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة. وقد تمكّنت هذه الجمعيات وبمساندة من منظمات غير حكومية دولية، إلى استحداث برامج مبتكرة ساهمت في تغيير الصورة النمطية للإعاقة داخل المجتمع اللبناني. كما حرصت هذه المنظمات على عدم حصر نضالها ضمن قضايا الإعاقة فحسب، بل شاركت في تنظيم تحركات رافضة للحرب والعنف المسلّح، مطالبة بتأمين كافة حقوق الإنسان لجميع فئات المجتمع اللبناني. وقد رأت أنّ تبنّي نهج شمولي قائم على الحقوق هو السبيل الأمثل لتحقيق العدالة، مما دفع الناشطين من ذوي الإعاقة إلى المشاركة في تحرّكات سلمية لوقف الحرب الأهلية في لبنان.

وقد أوضح د. كبارة أنّ المسيرة المناهضة للحرب التي نظمّها الأشخاص ذوي الإعاقة قد اعتمدت على مبدأين رئيسيين: “المبدأ الأول هو التركيز على النضال المشترك للجميع لتحقيق السلم والأمان للبنانيين بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة وذلك مع استحالة الحصول على حقوق فئة محددّة كحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في ظّل الفوضى الناتجة عن الحرب وغياب الدولة الفاعلة. أما المبدأ الثاني فهو رمزية تصّدر الأشخاص ذوي الإعاقة للحراك، وقد هدف هؤلاء من خلال تصدّرهم مسيرة السلام على التأكيد على أهمية دورهم في المشاركة في بناء المجتمع اللبناني والمطالبة بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي وذلك بعد أن شهدوا الويلات التي تسببت بها الحرب الأهلية ومآسي ومعاناة اللبنانيين7“.

وبالعودة إلى مسيرة الأشخاص المعاقين اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنسان في لبنان، فقد استمرت هذه المسيرة لمدة أربعة أيام بين 12 و15 تشرين الأول 1987. نتطرّق في هذه المقالة إلى فترة التحضير للمسيرة، ثمّ نستعرض أهدافها وآلية انطلاقها والإنجازات التي تمكنت من تحقيقها وكان لها انعكاس على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة خلال وبعد انتهاء الحرب الأهلية. وقد استندنا في هذه المقالة على أرشيف صحيفتي السفيروالنهار“. كما أجرينا مقابلات مع أشخاص من ذوي الإعاقة من المنظمين والمشاركين في هذه المسيرة.

ملاحظة: إنّ استخدام مصطلح معاقفي هذه المقالة قد ورد في سياق عرضنا للمصطلح الذي كان معتمدًا في تلك الفترة، والذي تمّ استخدامه أيضًا في صحيفتي السفيروالنهارحينها. علمًا بأننا قد اعتمدنا استخدام الأشخاص ذوي الإعاقةوهو المصطلح الشائع والمتوافق عليه بين معظم الناشطين والحقوقيين في مجال الإعاقة في مقالتنا، وهو المتبّع في الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

تحرّكات ومبادرات سبقت مسيرة الأشخاص ذوي الإعاقة

قبل اندلاع الحرب الأهلية، كانت الدولة اللبنانية قد بدأت باتخاذ خطوات لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال إصدار القانون 11/73 المعروف بـخدمات رعاية المعوقينعام 1973، والذي شكّل بداية التشريعات الهادفة إلى دعم هذه الفئة. وقد أدّى القانون 11/73 إلى إنشاء الهيئة الوطنية لشؤون الإعاقة“. لكن الهيئة واجهت العديد من التحديات، تمثّلت في الخلافات الداخلية، والقصور الإداري، والضغوط الخارجية التي أعاقت فاعليتها. وبحلول عام 1978، تبيّن أن الجهود الرامية إلى تفعيلها ضمن دائرة الشؤون الاجتماعية باءت بالفشل، ما منع تطوير دورها8.

وتشير سيلفانا اللقيس، رئيسة الإتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا9، في مقابلة أجريت معها إلى أنّ هذا الإتحاد قد تأسس عام 1981 وجاء نتيجة اجتماعات ونقاشات ما بين الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم حول حقوقهم، لاسيما أنّ معظم حقوقهم كانت مهمشّة على كافة الأصعدة. وتلفت اللقيس إلى أنّ عددًا من مؤسسي الاتحاد اضطروا للانسحاب بعدها بسبب الضغوط التي تعرّضوا لها من قبل الميليشيات ومؤسسات الرعاية، ذلك لأنّ الاتحاد كان يضع على سلّم أولوياته مبدأ دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، في حين كانت مؤسسات الرعاية تصرّ على مبدأ توفير الرعاية للأشخاص ذوي الإعاقة في مراكز خاصة بهم وهذا ما ترى فيه اللقيس إقصاء وعزلًا وانعزالًا للأشخاص ذوي الإعاقة عن سائر فئات المجتمع اللبناني10“. وتشير اللقيس إلى أنه وبالرغم من محدودية خبرة الأعضاء المؤسسين، فإنّ معرفتهم كانت مستمدة من تجاربهم الفردية واحتياجاتهم الشخصية، وهي أسمى أشكال التعلّم وأكثرها قيمة“. وتضيف إلى أنّهم قد حظوا بدعم ملحوظ من الأحزاب السياسية المقرّبة من كلّ من المؤسسين، سواء كانت من التيار اليميني أو اليساري. “وقد جاء هذا الدعم من أطراف متنازعة، مما ساهم فعليًا في توحيدها تحت راية الاتحاد“. بالإضافة إلى ذلك، تلقّى الاتحاد دعمًا من منظمات أخرى في المجتمع المدني. “ومن اللافت أنّ الناشطين نجحوا في فرض حضورهم حتى في مناطق النزاع خلال الحرب؛ فقد كان أعضاء الاتحاد وفرق الصليب الأحمر اللبناني يعبرون من بيروت الغربية إلى الشرقية وبالعكس، في حين لم يكن يُسمح للمواطنين بعبور الحواجز الخاضعة لسيطرة الميليشيات بسهولة ، حسب اللقيس.

وتصف اللقيس السنوات الأولى بعد تأسيس الاتحاد بأنها اتسمت بنوع من التوعية المجتمعية، أشبه بـالوعظ، حيث تواصل الأعضاء مع المجتمع المحلي للتعريف بالاتحاد، وأهدافه و ومقاربته القائمة على المطالبة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الاندماج في المجتمع والوصول الى المرافق العامة اسوة بجميع المواطنين. “بدأوا بتجارب تعلّم متبادل، وأسسوا نماذج مصغّرة مثل تعليم قيادة السيارات، وبناء منحدرات مناسبة، أو التنقّل من وإلى العمل“. وكان تركيزهم موجّهًا نحو المؤسسات التي لديها برامج خدمات قائمة سابقًا، بهدف الاستفادة من هذه الموارد وتحويلها إلى مرافق دامجة. “وقد اعتمدوا استراتيجية تقوم على إرسال أفراد للعمل أو التطوّع داخل هذه المؤسسات، لتشجيع المشاركة الفعّالة ونشر السياسات التي يتبناها الاتحاد، كما تقول اللقيس.

لم يقتصر دور الاتحاد على المطالبة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بل إنّه شارك أيضًا في تحرّكات مطلبية لوقف الحرب الأهلية. يقول الدكتور نواف كبارة، أحد منظمي المسيرة، في مقابلة أجريت معه أنه تعرّف على مفهوم الحراك اللاعنفي بعد مشاهدته فيلم غاندي،لذلك قرر فيما بعد الاجتماع مع المطران غريغوار حداد، والأب مارون عطالله، والمحامية لور مغيزل الذين ساهموا جميعاً في تأسيس الحركة اللبنانية للاعنفبين عامي 1984-1985. وبدأوا بعدها بالتخطيط فيما بينهم للقيام بتحرّك لا عنفي ومعالجة كيفية تخطّي العقبات اللوجستية وضغوط الميليشيات للتمكّن من تنظيم احتجاجات لاعنفية في جميع أنحاء لبنان11.

وقد أشار د. كبارة الى أنّ منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة قد حاولوا سابقًا القيام بمبادرة سلمية وهي حملة تبرّع بالدمّ لجميع اللبنانيين، غير أنّ الميليشيات اللبنانية قد أحبطت هذه الحملة، لذلك قرروا فيما بعد تنظيم مسيرتين سلميتين متزامنتين عام 1985، تنطلقان من جانبي بيروت الشرقية والغربية ثم تلتقيان في وسط المدينة للمطالبة بإنهاء الحرب الأهلية. وقد كان من المقرر أن تُقام هاتان المسيرتان في 22 تشرين الثاني، تزامنًا مع عيد الاستقلال، غير أنّ اشتباكات عنيفة بين مقاتلي حركة أملوالحزب التقدمي الاشتراكي كانت قد اندلعت بالتزامن مع انطلاق المسيرتين، مما أدّى إلى وقوع المتظاهرين في مرمى النيران. ويضيف د. كبارة بدلًا من التظاهر لمدة ثلاثة أيام، أجبرنا على التجمّع والبقاء داخل شقة سكنية في كورنيش المزرعة حفاظًا على سلامتنا. غير أننا لم نستسلم وقررنا انشاء خيمة للتبرعّ بالدم تحت جسر الكرنتينا بالتعاون مع منظمة الصليب الأحمر، وتمكّنا من جمع 18 وحدة دم خلال نصف ساعة فقط. لكن لم يكتب لهذا التحرّك الاستمرار فقد تلقينا تهديدات من الميليشيات بوجوب مغادرة المنطقة، لذلك لم يكن أمامنا خيار سوى الانسحاب وإنهاء هذه المبادرة 12“.

من جهتها، تعتبر سيلفانا اللقيس أنّ اللحظات المفصلية في تاريخ الاتحاد وحركة الإعاقة في لبنان كانت بدايتها في تنظيم مخيمات كشفية في مناطق عدة من لبنان بدأت في عام 1987 واستمرت حتى أوائل التسعينيّات. وبالرغم من أنّ هذه المخيمات لم تكن مجهزة لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة إلّا أنها شكّلت لهم مساحة حرّة للنقاش العميق والحوار في مواضيع متعددة ومحورية، أبرزها فكرة السلام والحراك المطلبي اللاعنفي. كما تميّزت هذه النقاشات بوجود العديد من الأشخاص الذين أصبح لديهم إعاقات بعد مشاركتهم في الحرب، وقد أعرب العديد منهم عن تساؤلهم عن ماهية تلك الحرب وما آلت إليه وإن كانت تستحق هذه المجازفة بعد أن أصبح لديهم إعاقات بسببها. وقد ساهمت هذه النقاشات الصادقة والعميقة في ترسيخ مقاربة قائمة على حق الإنسان بالعيش بأمان واستقرار وحياة كريمة تسمح للجميع بالمشاركة الفعالة في المجتمع وهي من أهمّ المبادئ التي تبنّاها اتحاد المقعدينوعمل على تأسيس رؤية متجذّرة متمحورة حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الانخراط في المجتمع.

وتضيف اللقيس أنه في مطلع الثمانينيّات، شكّل انخراطنا في الحركة المدنية لحظة محورية أثبتت أنها مثمرة. خلال تلك الفترة، تمّ تكريس الجهود لإنهاء الحرب والاقتتال الداخلي والدعوة إلى السلام. بالإضافة إلى ذلك، أسهم إنشاء المخيّمات في ترسيخ النهج الشامل. وعندما نتحدّث عن الشمولية، فإننا نقصد مجموعة واسعة من المعايير، لا تقتصر فقط على قضايا الإعاقة، بل تشمل أيضًا مبادئ اللاطائفية واللاسياسية13“.

خاض الأشخاص ذوي الإعاقة أولى تجاربهم التنظيمية في فترة تُعَد من الأصعب في تاريخ الحرب حيث كانت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تتدهور بشكل متسارع. إذ كانت الأزمة الاقتصادية قد بلغت أوّجها عام 1987 ووصل الانهيار إلى مستويات غير مسبوقة، فيما كانت الناس تجهد لإيجاد المقومات الأساسية للاستمرار في ظلّ سطوة كاملة للميليشيات على مرافق الدولة ومواردها وسط تغييب هذه الأخيرة بفعل الخلافات بين أركان السلطة واستمرار المواجهات المسلّحة في مختلف المناطق.

الأزمة الاقتصادية والسياسية والوضع الأمني عام 1987

شهد لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 احتدامًا للمعارك بين الأطراف المتصارعة ترافق مع انهيار اقتصادي كارثي، إضافة إلى أزمة مالية طاحنة. وقد جاءت هذه التحوّلات الجذرية كنتيجة طبيعية للحرب ذاتها، فضلاً عن تداعيات بعض التطورات الإقليمية في حالات أخرى. وقد أجمعت معظم الكتابات التي تناولت الأزمة الاقتصادية خلال الحرب على تصنيف العام 1987 على أنه الأسوأ. فقد ارتفع سعر الدولار الأميركي خلالها من 87 ل. ل. إلى 455 ل. ل.، بعد أن كان قد وصل إلى 655 ل. ل. في شهر تشرين الأول من تلك السنة. وفي نهاية 1987، كانت الليرة اللبنانية قد خسرت 80.9% من قيمتها تجاه الدولار في سنة واحدة. وبلغ معدل التضخّم خلال هذا العام أعلى مستوى له إذ وصل إلى 487%، وهبط الحد الأدنى للأجور إلى 19 دولارًا فقط14.

بموازاة ذلك، هبط عدد العمال اللبنانيين في الخليج من 210000 عام 1980 إلى 65000 عام 1987 على إثر تطورات الحرب الإيرانيةالعراقية. وانخفضت قيمة التحويلات من 2254 مليون دولار عام 1980 إلى 300 مليون عام 1987. وعاد معظم العمال إلى لبنان ما أدّى إلى زيادة كبيرة في سوق العمل. وتراكم الدين العام إلى 147 مليار ليرة في نهاية 1987. كان الحد الأدنى للأجر الشهري عام 1987 يمثل 35% من مستواه عام 1974. ووصل متوسط الأجر عام 1987 إلى 27% من مستواه عام 1974. وارتفع معدل البطالة من 12% عام 1980 إلى 35% عام 151989. إلى جانب ذلك، تفاقمت أزمة المحروقات وشح الخبز والمياه على الرغم من قرار وزير المال كميل شمعون رفع الدعم عن المحروقات.

ويرى الاقتصادي كمال حمدان أنه حتى بالنسبة للقطاعات الإنتاجية القليلة التي شهدت تحسنًا، كان النمو المسجل ناتجًا بشكل أساسي عن انتعاش مؤقت—سببه الرئيسي انخفاض الأجور الحقيقية وارتفاع معدلات الربح—وليس عن ديناميكية جديدة للنمو والتنمية قائمة على عوامل مستدامة. بل في الواقع، استمرت عوامل مثل التبعية الخارجية، وتفكك الدولة، واتساع نطاق الاقتصاد الموازي، والاختلالات المالية والنقدية، بالإضافة إلى التفاوتات الاجتماعية والإقليمية، في التفاقم، وظلت تشكل الإطار الهيكلي الذي تطوّر ضمنه الاقتصاد خلال هذه المرحلة16.

أما على صعيد الوضع الأمني، فقد عرف العام 1987 عدّة اغتيالات أبرزهم اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي في 1 حزيران 1987 والقيادي في الحزب الشيوعي حسن حمدان مهدي عاملفي 18 أيار 1987، بالإضافة إلى محاولة اغتيال الرئيس السابق للهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية إيلي حبيقة ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين. وفيما استمرت حرب المخيماتبين حركة أملوقوات حركة فتح، اندلعت مواجهات عنيفة بين أملمن جهة والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي من جهة أخرى.

وعلى الصعيد السياسي، فقد استمرت أزمة الحكم بين رئيس الجمهورية أمين الجمّيل والحكومة التي أصبح الرئيس سليم الحص رئيسًا لها بالوكالة بعد اغتيال كرامي. وازدادت الدعوات لإسقاط الجميل وقيام حكومة لا تضمّ الأحزاب اليمينية.

لكن على الرغم من هذه الظروف المأساوية على جميع الأصعدة، قرر الأشخاص ذوي الإعاقة التجمّع وتحدّي التقسيم الجغرافي والطائفي والتصدّي لسطوة الميليشيات على الأرض، وسط تصاعد التحرّكات المناوئة للحرب والمطالبة بحلّ للأزمة الاقتصادية التي أنهكت المجتمع.

مسيرة ذوي الإعاقة اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنسان في لبنان

قررت حركة المعاقين اللبنانيين من أجل السلاموحركة اللاعنف في لبنانتنظيم مسيرة المعاقين اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنسان في لبنانالتي استمرت 4 أيام متواصلة وبلغت في المسافة 195 كلم وانطلقت من بلدة حلبا في الشمال وانتهت في مدينة صور في الجنوب. وضمّت المسيرة حوالي أربعين شخصًا من ذوي الإعاقة وأربعين مرافقًا لهم.

جاءت المحطة الأولى للمسيرة من بلدة حلبا في الشمال باتجاه مدينة طرابلس. استهلّ الأشخاص ذوي الإعاقة تحرّكهم بمؤتمر صحافي في سراي حلبا، ألقى فيه باسم حمدان وهو أحد المنظمين بيانّا انتقد فيه العنف للعنفوأوضح أن التحرّك هو إعلان الرفض لهذه الحرب وإعلان الإدانة للتهميش المتعاظم الذي يطال الفرد والمجتمع سواء بسواء“. ووصف حمدان المشاركون في المسيرة على أنّهم صورة حية متحركة عن أحد إنتاجات الحرب العبثية المدمرة، صورة يريد دعاة الحرب ومريدوها أن تحضر في المناسبات الإعلامية بقدر ما يقررونه هم ووظيفة يحددونها هم، كي يعاد توظيفها في الانقسام الأهلي ذاته17“. ودعا حمدان إلى العمل على إيجاد حلّ اقتصادي واجتماعي لمواجهة عنف التجويع والإفقار والاتفاق على صيغة كريمة لحل اقتصادي كريم، يضمن حقوق الإنسان الأساسية، من مأكل وملبس ومسكن، وعناية طبية وتربوية، وضمان شيخوخته، وضمان الحق في العمل بما يتناسب مع قدراته الجسدية والفكرية والعلمية18، وضمان حماية الحرّيات الديمقراطية في وجه العنف الفكري19، مع التأكيد على حق المواطنين في التنقّل بحرّية تامة بين مختلف المناطق.

ثمّ انطلق المشاركون ومستخدمي الكراسي المتحركّة الذين كانوا يرتدون قمصانًا بيضاء اللون يتوسطها شعار المسيرة، باتجاه ثانوية حلبا حيث كانت السيارات في انتظارهم لنقلهم إلى مدينة طرابلس. وكان في استقبالهم في شارع عزمي في طرابلس، حشدٌ من ممثلي الجمعيات والهيئات الأهلية شاركوهم في مسيرة راجلة تقدّمتها الفرق الكشفية الموسيقية وحملة الأعلام ثم حملة اليافطات وقد كتب على إحداها السلام ضمانة لحقوق الإنسان وحقوق الإنسان ضمانة للسلاموعلى أخرى مسيرة المعاقين اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنسان في لبنان“. ثم اتجهت المسيرة نحو دار اليتيمة الإسلامية حيث قدّم ممثلون عن المسيرة زهورًا لمسؤولي الدار. ومرّت بعدها المسيرة شارع المنلا وبولفار الميناء البوابة الجمرك وصولًا إلى حديقة لجنة رعاية اليتيمة في الميناء في طرابلس. وكان في انتظارها محافظ الشمال إسكندر غبريل وعقيلته ورئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين. وقام عدد من الأشخاص من ذوي الإعاقة بزرع أشجار من النخيل في الحديقة، ثم افتتحوا المكتبة الناطقة للأشخاص المكفوفين في بلدية الميناء. ثم توجهت المسيرة إلى ساحة عبد الحميد كرامي حيث حمل المشاركون الشموع قبل أن يتجهوا إلى دير البلمند لقضاء الليلة. يؤكدّ د. كبارة على أنّ الأشخاص ذوي الإعاقة المشاركين في الحراك قد حرصوا على التنسيق مع الكشافة والمنظمات غير الحكومية لتنظيم استقبال كبير يلفت انتباه الإعلام. “وبالفعل، بدأت وسائل الإعلام مثل تلفزيون ABF ووكالة رويترز بتغطية التحرّك20.

في اليوم الثاني، انطلقت المسيرة من دير البلمند وتجمّعت عند جسر المدفون واجتازته سيرًا إلى البربارة عبر حاجز القوات السورية وحاجز الجيش اللبناني وحاجز القوات اللبنانية“. ومن البربارة انتقلت إلى جبيل، ومن ثم إلى أنطلياس حيث استقبلتهم الحركة الثقافية في أنطلياس21التي واكب أعضائها المشاركين سيرًا إلى سوبرماركت ملكيالذي فجّرت أمامه سيارة مفخخة في وقتٍ سابق، حيث إستقبلهم جمع غفير من المواطنين، وممثلون عن المؤسسات الإنسانية والجمعيات الكشفية. كما التقوا فعاليات دينية وزعت عليهم شارة السلام ونص عامية أنطلياس22.

بعدها، توجّه المشاركون إلى منطقة سن الفيل حيث انضمّ إليهم رئيس الاتحاد العمالي العام أنطوان بشارة وأعضاء في الاتحاد ووفد من اتحاد غوث الأولادووفد من الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن نواف كبارة قوله أريد أن أبكي، هذه هي المرة الأولى منذ اندلاع الحرب التي أتنقل فيها عبر مسافة طويلة من لبنان دون أن أضطر لإبراز بطاقة هويتي23“.

وجاءت المحطة الأولى للمسيرة في بيروت الغربية في قصر العدل حيث استقبلهم على المدخل الرئيسي، رئيس مجلس القضاء الأعلى أمين نصار ونقيب المحامين عصام كرم. وقال نصار: “شرّعنا أمامكم كل أبواب قصر العدل، لأن هذا القصر خلافًا لما يظنّ البعض غير موجود على خطوط التماس، بل هو في نقطة الوصل والألفة والمحبة في كل المناطق اللبنانية24“. وتوجهت المسيرة نحو قصر منصورحيث كان في استقبالها نائب رئيس المجلس النيابي ألبير مخيبر والنائب عبدو عويدات. رأى مخيبر أنّ في التحرّك انتفاضة على العنف وزبائنيته25“. وتلا النائب مخيبر النائب عويدات الذي قال: “رمزكم اليوم هو رمز الوحدة اللبنانية من النهر الكبير إلى الناقورة ومن البحر المتوسط إلى الحدود الشرقية26“. وألقى جورج عبدالله كلمة باسم المسيرة فأكّد على أهمية ترؤس الأشخاص ذوي الإعاقة لهذا الحراك للمطالبة بوقف الحرب والاقتتال الداخلي آثرين على أنفسهم تأجيل وعدم المطالبة بحقوقهم الحيوية والملحةلأنهم فضّلوا طرح مطالب تخص جميع اللبنانيين دون التركيز على شريحة أو فئة خاصة من المجتمع اللبناني. كما دعا عبدالله المواطنين اللبنانيين إلى دعم هذا التحّرك السلمي والمطالبة بإنهاء الحرب في أحيائهم وقراهم ومدنهم وداخل مؤسسات العمل والمهن المنتسبين لها وفي محافظاتهم. وختم بالقول: “أرجو أن تعلّم نفسك حب العواصف لا الخوف منها“. ونحن اليوم نقول: “لقحوا أطفالكم ليس ضد الأمراض فقط، لكن أيضًا ضد الطائفية27“.

ثمّ تحرّكت المسيرة باتجاه مستشفى البربير، عبر معبر المتحفالبربيرحيث كان في استقبالها الوزير السابق نسيب البربير ووفد من بلدية بيروت. وأزيح الستار عن لوحة تذكارية أقيمت عند مدخل المبنى الذي استهدفته انفجار سيارة مفخخة قرب جسر البربير قبل عامين، كتب عليها: “من أجل مواجهة العنف وحفاظًا على حق الإنسان بالحياة، مسيرة المعاقين اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنسان في لبنان من 12-10-1987 إلى 15-10-1987″.

ومن البربير، أكملت المسيرة سيرها باتجاه حديقة الصنائع، فسلكت كورنيش المزرعة – تلة الخياط – عائشة بكار فحديقة الصنائع. وكان في انتظارها عدد من ممثلي المؤسسات الاجتماعية والفاعليات الطالبية التي حملت الأعلام اللبنانية وعلت هتافات لا شرقية، لا غربية، بدنا وحدة وطنية“. وأطلقت سيدات يمثلن جمعيات نسائية 6 حمامات بيضاء تحمل أعلامًا لبنانية. وفي الحديقة، أزيح الستار عن نصب تذكاري يرمز إلى شعار الإعاقة، بداخله حمامة السلام، أطلقت عليه تسمية نصب الإنسان المدني المجهول“. وأخيرًا، افتتح الأشخاص ذوو الإعاقة معرضًا خاصًا بهم في القاعة الزجاجية في وزارة السياحة في الحمراء، في حضور مدير عام وزارة الإعلام الدكتور أيوب حميّد. وحوى المعرض في وزارة الإعلام على منتجات مصنوعة من قبل الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسة الزاهر للمكفوفين والصمومؤسسة التنمية الفكرية للمتخلفين عقليًاواتحاد المعاقين اللبنانيينولجنة أصدقاء المعاقين“. ومساءً، أحيا الفنان سامي حواط سهرة فنية في حديقة الصنائع وبات المتظاهرون ليلتهم في جمعية العناية بالطفل والأم. ويلفت كبارة إلى أنّ صحيفتي النهاروالسفيرأولتا اهتمامًا أكبر للمسيرة بعد وصولها إلى بيروت وقد تصدّرت جريدة السفير في صفحتها الأولى عنواناً رئيساً وخبراً عن انطلاق المسيرة واهم مطالبها28.

وفي اليوم الثالث، انطلقت المسيرة إلى الناعمة، حيث توقفت أمام مستوصف عادل سيور“. وكان في استقبالها مؤسسة شؤون المعاقين في الجبلوعدد من الأشخاص من ذوي الإعاقة وطلاب المدارس، والكشاف التقدمي الذين رددوا هتافات تدعوا إلى وقف الحرب. وألقى الدكتور نواف كبارة كلمة باسم المسيرة قال فيها أنها مسيرة كل لبنان المسلم والمسيحي، إنها نداء للمحبة واللاعنف، ليست من أجل الأشخاص المعاقين، بل من الاشخاص المعاقين إلى كل لبنان، لنبدأ سويًا على أساس الديمقراطية ولنقم بالثورة ضد السياسة في لبنان“.

ثم تابعت المسيرة باتجاه مدينة صيدا حيث استقبلها أمام باحة مسجد الزعتري نائب رئيس بلدية صيدا نزيه البعاصيري وممثلون عن الجمعيات الصحية والإنسانية المحلية والدولية29. وفي ساحة النجمة، توقفت المسيرة لمدة 12 دقيقة حزنًا على سنوات الحرب الأهلية في لبنان ومن ثم توجهت إلى ساحة الشهداء حيث قام ثلاثة من الأشخاص من ذوي الإعاقة بغرس نصبةفي الساحة ثم أزاحوا الستار عن لوحة تذكارية من الرخام كتب عليها مسيرة المعاقين للسلام من أجل حقوق الإنسان – 15 تشرين الأول 1987″، تقدمة من مؤسسة الحريري. ونقلت صحيفة النهارعن سيلفانا اللقيس آنذاك قولها بأنّ أهمّ ما في المسيرة أنها استطاعت اختراق كل الحواجز والمعابر“. وأكدت لن نوقف، سنكمل المشوار، فنحن لسنا طلاب شفقة، إنما طلاب سلام ومساواة30“. لاحقًا، ألقى مؤنس عبد الوهاب باسم المسيرة كلمة قال فيها: “إن تحرّكنا هو من أجل حقوق الإنسان ووقف الحرب في لبنان، ومن أجل اختراق الحواجز بين كافة المناطق اللبنانية ومن أجل إحلال السلام31“.

وفي اليوم الرابع والأخير، انطلقت المسيرة من صيدا باتجاه مدينة صور حيث وصلت إلى مفترق العباسية شمال المدينة وكان في انتظارها فرق رياضية بلباسها الرسمي والنقيب حسن عمرو آمر فصيلة صور وقادة حركة أملفي صور والجمعيات الإنسانية والصحية، والكشفية، والعمالية وطلاب المدارس. وهرول الرياضيون أمام الموكب وتوقفوا أمام مستشفى جبل عامل حيث قدّمت الممرضات باقات من الزهور. ثم أكملت المسيرة باتجاه دوار البص عند المدخل الشرقي للمدينة حيث ترّجل المشاركون، وكان لهم استقبال مميّز من الصيادين بلباسهم البحري فقاموا بإلقاء التحية عليهم وأمامهم زورق زيّن بالأعلام اللبنانية وجرّ على دواليب ومدّت منه الشباك، قبل أن يكملوا المسيرة إلى ملعب الكلية الجعفرية، حيث تقدّمها العدّاء رضا بدوي حاملًا شعلة مضاءة. وانضم إليها عمّال بلباس العمل يحملون معاول، واستقبلها في ملعب الكلية الجعفرية قائمقام صور غسان حيدر ومفتي المدينة الشيخ نجيب سويدان الجعفرية وعدد من الفعاليات الدينية والسياسية والاجتماعية. وجالت المسيرة شوارع مدينة صور التي غصّت بالأهالي المرحبين واستقبلها تلامذة المدارس على جنب الطريق بالورود وأغصان الزيتون وألقيت كلمات. وتابعت إلى المدينة حيث تجوّلت في شوارعها وكان المشاركون يرددون هتافات تدعو للبنان واحد موحد لجميع أبنائهوإلى نبذ الحقد ووقف الحرب. وقد تقدّم المسيرة مجسّم كبير لمركب صيد أسماك وهو شعار بحارة صور. وغصت الشوارع بالأهالي ونثر الأرز من الشرفات ترحيبًا.

وبعد الجولة، توقفت المسيرة في مقر المجمّع الثقافي التابع لمؤسسات الإمام الصدر، حيث ألقت السيدة رباب الصدر كلمة رحبّت فيها بالمشاركين. وألقت ريما صفي الدين كلمة باسم رئيسة الجمعية اللبنانية لرعاية المعاقينقالت فيها: “الشخص المعاق في لبنان من أي منطقة كان ولأي طائفة انتمى هو ضحية سقوط كل القيم والمفاهيم الإنسانية ومعانيها السامية، وهو بالدرجة الأولى ضحية العدوان الصهيوني المستمر الذي لا يرحم32“. وطالبت المؤسسات والجمعيات الإنسانية العالمية بمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوجهت إلى مجلس الأمن الدولي ولجنة حقوق الإنسان مطالبة بالضغط على إسرائيل لتكف عن اعتداءاتها والتي تتسبب في زيادة عدد الأشخاص ذوي الإعاقة والمشردين والأيتام.

وختامًا، وصلت المسيرة إلى الملعب الأثري الروماني حيث عقد الأشخاص ذوي الإعاقة مؤتمرًا صحافيًا تلا خلاله ديمتري خضر بيانًا صحافيًا أكد فيه على ثلاث نقاط: “مواجهة العنف المسلّح وإنهاء حالة الحرب بين اللبنانيين، مواجهة عنف التجويع والإفقار وإيجاد حل اقتصادي اجتماعي، ومواجهة عنف كبت الآراء وحماية الحرّيات الديمقراطية33“.

مسيرتان داعمتان في لندن وباريس

وبالتزامن مع المسيرة، نظّمت جمعيات وهيئات إنسانية واجتماعية بريطانية وفرنسية مسيرات تضامنية مع لبنان. فقد شهدت لندن في 11 تشرين الأول مسيرة احتجاج نظمها عدد من جمعيات الأشخاص ذوي الإعاقة اللبنانية والبريطانية ضد استمرار الحرب الأهلية في لبنان. وشارك في المسيرة في لندن حوالي مائتي شخص من ذوي الإعاقة بالإضافة إلى مشاركين عرب وأجانب. ورفعت خلال المسيرة لافتات تدعو للسلام والوفاق الوطني في لبنان. وتوقفت المسيرة أمام مقر مكتب رئاسة الحكومة البريطانية حيث سلّم اثنان من المشاركين مكتب الرئاسة مذكرة تطالب رئيسة الحكومة مارغريت تاتشر بضمّ صوتها إلى أصوات الأشخاص ذوي الإعاقة للمطالبة بإلقاء الميليشيات سلاحها في لبنان ووضع حد للحرب الدموية الدائرة34“.

وفي 18 تشرين الأول، شهدت الشوارع الرئيسية للعاصمة الفرنسية باريس تظاهرة سلمية اشترك فيها عدد كبير من اللبنانيين، منهم من مصابي الحرب اللبنانية ووزعوا منشورات تطالب بإيقاف الحرب إضافة إلى الفرنسيين وأعداد كبيرة من أفراد الجالية العربية في فرنسا.

أهداف مسيرة الأشخاص ذوي الإعاقة حسب منظميها

لم ينتهِ التحرّك مع اختتام المسيرة، إذ عقدت لجنة مسيرة المعاقين اللاعنفية من أجل السلام وحقوق الإنساناجتماعًا أوصى بمتابعة أهداف المسيرة برفض العنف، وبإنشاء مؤسسة دراسات حول الإعاقة تمهّد لإنشاء الاتحاد العام للمعاقين، وبالتعاون مع الجهات المتضررة من الحرب. وأنهت اللجنة اجتماعها باعتصام على معبر المتحف لمدة 44 دقيقة أي بعد سنوات الاستقلال، ولرفض الحواجز المصطنعة بين اللبنانيين“.

وتلا د. كبارة بيانًا قيّم فيه المسيرة وحدد أهدافها بالآتي: “تسجيل موقف شعبي رافض لاستمرار الحرب والعنف، وانتهاكات حقوق الإنسان فوق كافة الأراضي اللبنانية؛ خرق حاجز الخوف النفسي الذي فرض نفسه على قطاعات كبرى من الشعب اللبناني، بسبب الممارسات العنفية اللاإنسانية على امتداد 12 سنة فوق أرض الوطن؛ خلق نواة مجموعات لبنانية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب تنسق وتخطط سويًا لمواجهة استمرار العنف وانتهاكات حقوق الإنسان في لبنان؛ تحريك قطاعات المجتمع المدني بأشكالها المختلفة باتجاه رفض الحرب ومقاومة انتهاكات حقوق الإنسان المختلفة35“.

واعتبر كبارة أنّ هذا التحرّك كان من جهة نتيجة طبيعية لكون الأشخاص ذوي الإعاقة من الفئات الأكثر تضررًا من الحرب واستمرارها. وكان من جهة ثانية يهدف إلى تحويل هذا الدور الطليعي إلى موقع ثابت لهم في التركيبة الجديدة للبنان الجديد كفئة أساسية من فئات المجتمع المدني، وبالتالي إنهاء التهميش المفروض عليهم منذ زمن بعيد، وعليه كان هناك تركيز لأن تتمثل في المسيرة مختلف أنواع الإعاقة ومختلف المناطق والطوائف اللبنانية. ورأى أن المسيرة نجحت في إعطاء قضية الإعاقة في لبنان حجمًا وطنيًا وتحويلها من مشكلة إنسانية واجتماعية إلى قضية سياسية36“.

وتلا باسم حمدان بيانًا دعا فيه إلى إصدار مجلة خاصة تعنى بشؤؤون الأشخاص ذوي الإعاقة وإصدار كتب وترجمة أخرى؛ وإجراء بحوث حول أسباب الإعاقة وطرق حلها؛ وتوفير الإحصاءات الميدانية للأشخاص ذوي الإعاقة عامة، حاجتهم للعمل والتعليم والتأهيل والتدريب ووضع حلول مناسبة وإجراء بحث للمهن الموجودة وملاءمتها للأشخاص ذوي الإعاقة، وتوجيه الأخصائيين إلى نوع معيّن من التدريب بالاستناد إلى الإحصاءات المتوافرة وحاجة الأشخاص ذوي الإعاقة إليها.

يعتبر د. كبارة في المقابلة معه أنّ تلك المسيرة غيّرت مسار حركة الإعاقة من نظرة ومفهوم الشفقة إلى حركة قائمة على مفهوم الحقوق37“. ويكشف أنهم نظّموا حملات للتبرّع بالدم، ودورات تدريبية حول اللاعنف، كما أنهم بدأوا بالعمل حينها على إعداد قانون جديد للأشخاص ذوي الإعاقة. لكن اندلاع المعارك بين الجيش اللبناني بقيادة قائد الجيش العماد ميشال عون والقوات اللبنانية أحبطنا من جديد، وأدّى إلى توقّف كل الحراكات المدنية“.

خاتمة

رغم محدودية التأثير المباشر للمسيرة على حركة السلام في لبنان، إلا أنها أحدثت تحولًّا جذريًا في مسار حركة الإعاقة، حيث تركت بصمة دائمة لا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم. فقد نجحت هذه المسيرة ليس فقط في إبراز قضية الإعاقة على الساحة المحلية، بل أيضاً في إحداث صحوة داخل أوساط الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، كما سبق وأشارت سيلفانا اللقيس في المقابلة التي أجريناها معها. وكان أحد المشاركين، نبيه عبد، قد عبّر عن كيف غيّرت هذه التجربة مسار حياته، محوّلة إياه من فرد غير مهتم إلى مدافع شرس عن الحقوق، مستعدًا لأن يعيش لمناصرة قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة يوميًا38“.

كما شكّلت هذه المسيرة بداية المرحلة الانتقالية لمناصرة قضية الإعاقة فبدأت بتجاوز النظرة التقليدية القائمة على مفهوم الرعاية والشفقة، لتصبح مطلبًا حقوقيًا عادلًا يتعلًق بمفهوم الاندماج الكامل والمشاركة المجتمعية الفاعلة.

بهذا المعنى، يعتبر بول كينغستون أنّ الناشطين خلال سنوات الحرب قد أضحوا الروّاد الحقيقيين لحركة منظمة ومتطورة ظهرت لاحقًا. فمن خلال تأسيس جمعيات مستقلة يديرها أشخاص ذوي إعاقة بأنفسهم، وإطلاق حملات مجتمعية جريئة في ظل ظروف بالغة التعقيد، تمكّن هؤلاء من انتزاع الاعتراف بقضيتهم بعد عقود من الإهمال39. ولعلّ أهم إنجازات هذه الحركة كان زرعها بذور التغيير في وعي الأفراد وعائلاتهم، حيث أيقنوا لأول مرة بحقهم الطبيعي في المواطنة الكاملة، متحدّين بذلك الصور النمطية الراسخة والعقليات الإقصائية التي هيمنت على المجتمع اللبناني طوال سنوات.

وقد ساهمت تلك المسيرة في دفع الجمعيات والأفراد المشاركين فيها، وغيرهم، إلى استثمار نجاحها للضغط من أجل إدراج قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن أولويات السلطة بعد انتهاء الحرب. وبفضل تطويرهم لمهاراتهم التنظيمية وقدرتهم على التفاوض والتحرّك، أنشأت وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تأسست عام 1993، مؤسسة حكومية تُعنى بشؤونهم، وهي المجلس الوطني للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة“.

وقد أطلق المجلس الوطنيبرنامج الحقوق والوصولفي عام 1994 الذي هدف إلى وضع إطار موّحد من خلال إنشاء مؤسسات معتمدة لدى وزارة الشؤون، وتصنيف الخدمات، وتحديد أنواع الإعاقة، وإصدار بطاقات إعاقة.

بموازاة ذلك، عملت الجمعيات بالتعاون مع وزارة الشؤون والمجلس الوطنيعلى إعداد قانون يضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وتمكّنت بعد سنوات من النضال من دفع السلطة إلى إقرار القانون رقم 220/2000 الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة قبل ستّ سنوات من اعتماد الأمم المتّحدة لاتّفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ولا يزال الأشخاص ذوي الإعاقة يناضلون حتى اليوم من أجل تطبيق هذا القانون والدفع نحو تعديل بعض بنوده بشكل جوهري، بعد أن جرى تشويهها في مجلس النواب، والأهم، إجبار الدولة على ضمان حقوقهم الأساسية.

1 Kabbara, Nawaf. “Non-violent Resistance and Reform in Lebanon: The Experience of the Lebanese Disability Movement.” Accord, no. 24, July 2012.

2 من أبرز الأمثلة على ذلك الجمعية اللبنانية لرعاية المعوقين، التي أسستها السيدة رندة بري زوجة رئيس حركة أمل نبيه بري، عام 1984 والتي كانت لها روابط مباشرة مع حركة أمل.

3 جمعية سيزوبيل” (الخدمة الاجتماعية لرعاية الأطفال ذوي الإعاقة)، وهي منظمة غير حكومية تأسست عام 1976، وجمعية الزورقالتي تأسست عام 1985 وجمعية أركنسيل التي تأسست عام 1985.

4 تمّ تأسيس وزارة التخطيط العام ومكتب الإنماء الاجتماعي في 1 كانون الثاني 1954. خلال عهد الرئيس كميل شمعون وحكومة سامي الصلح، الذي ترأس أيضًا الوزارة عند تأسيسها. إلا أنها لم تبدأ العمل فعليًا إلا في عام 1959 خلال رئاسة فؤاد شهاب وحكومة رشيد كرامي. كانت الوزارة مقسّمة إلى مديريتين: مديرية الدراسات والتخطيط والمديرية المركزية للإحصاء. وقد تم تفكيك المديرية الأولى في عام 1977 عندما تم استبدال الوزارة بمجلس الإنماء والإعمار.

5 Kingston, Paul W. T. Reproducing Sectarianism: Advocacy Networks and the Politics of Civil Society in Postwar Lebanon. New York: State University of New York Press, 2013

6 تأسست الجمعية عام 1988، هدفها الرئيسي هو الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير مركز معلومات حول الإعاقة يُدار من قبلهم، وتشجيع بناء شبكات التعاون بين منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة (DPOs) على الصعيدين الوطني والإقليمي. وتسعى الجمعية للعمل من أجل مجتمع يتقبّل التنوّع ويحترم الحقوق الإنسانية الأساسية لجميع المواطنين، بما في ذلك الأشخاص ذوي الإعاقة.

7 Kabbara, Nawaf.

8 Mansour, Marwan George. Implications of international policies on national legislation a case study of Law 220 for the Rights of the Disabled in Lebanon. M.A. Thesis, American University of Beirut, 2001

9 تأسس عام 1981، من الأشخاص ذوي الإعاقة للنهوض بهذه الفئة نحو الوصول إلى الحقوق المشروعة المنصوص عليها في المواثيق الدولية، نحو تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع وتعزيز مشاركة الأشخاص المعوقين في عملية صنع القرار، وتحويل الحوار من النموذج الخيري الرعوي إلى المطالبة بالحقوق وفق النموذج الاجتماعي، ومن العزل إلى الدمج.

10 مقابلة مع سيلفانا اللقيس

11 مقابلة مع نواف كبارة

12 مقابلة مع نواف كبارة

13 مقابلة مع سيلفانا اللقيس

14 العيّاش، غسان. أزمة المالية العامة في لبنان: قصّة الانهيار النقدي 1982 – 1992. بيروت: دار النهار، 1997

15 نصر، سليم. سوسيولوجيا الحرب في لبنان، أطراف الصراع الاجتماعي والاقتصادي 1970-1990. بيروت: دار النهار، 2013

16 Hamdan, Kamal. “Les Libanais Face à la Crise Économique et Sociale.” Maghreb-Machrek, no. 124-125, July-Dec. 1989, pp. 19–39.

17 عشرات من معاقي الحرب اللبنانية يسافرون في وطنهم طلبًا للسلام، جريدة السفير، 13 تشرين الأول 1987

18 جعفر شرف الدين. من مسيرة المعاقين إلى تظاهرة الوحدة. جريدة السفير، 14 تشرين الثاني 1987

19 عشرات من معاقي الحرب اللبنانية يسافرون في وطنهم طلبًا للسلام

20 مقابلة مع نواف كبارة.

21 تأسست عام 1978 وحصلت على ترخيص رسمي عام 1984. مقرّها دير مار الياس في انطلياس، المشهور منذ أوائل القرن التاسع عشر باحتضانه الحركات واللقاءات السياسية والثقافية.

22 ميثاق عاميّة انطلياس الذي وقّعه كلّ من «جمهور الدروز في جبل لبنان، ونصاره، ومتوله واسلام» كما ورد حرفياً فيه بتاريخ 7 حزيران 1840، وفيه أقسموا اليمين على مذبح كنيسة مار الياس بعدم خيانة بعضهم، وشهّدوا القديس وأعلنوه خصماً لمن يخلف. وأتى اللقاء اعتراضّا على حكم الأمير بشير الثاني.

23 Boustany, Nora. Disabled demonstrate in Beirut, Victims of war march for peace. Washington Post, 14 October 1987

24 مسيرة اللاعنف تصل إلى بيروت واليوم في صور، جريدة السفير، 15 تشرين الأول 1987

25 المرجع المذكور أعلاه

26مسيرة المعاقين اللاعنفيةوصلت شطري العاصمة وصور محطتها الأخيرة بعد 195 كليومترًا، جريدة النهار، 15 تشرين الأول 1987

27 مسيرة اللاعنف تصل إلى بيروت واليوم في صور

28 مقابلة مع نواف كبارة

29 أبرزها مؤسسة عامل، أرض البشر، كاريتاس لبنان، الصليب الأحمر اللبناني، مؤسسة معروف سعد للرعاية الصحية، المؤسسة الإسلامية، اتحاد نقابات العمال، الهيئة الصحية الإسلامية، لجنة تنسيق خدمات المعاقين في صيدا، اتحاد غوث الأولاد، مدرسة التمريض في مستشفى الجنوب، النجدة الشعبية اللبنانية، دار العناية، الجمعية اللبنانيةالفرنسية للصداقة، الكشاف الجراح واتحاد المقعدين اللبنانيينفرع صيدا“.

30 تحية بزوارق الصيادين ومعاول العمال لـ مسيرة المعاقينفي محطتها الأخيرة، جريدة النهار، 16 تشرين الأول 1987

31 المعاقون ينهون مسيرة السلامفي صور: رفض العنف المسلح والتجويع وكبت الآراء، جريدة السفير، 16 تشرين الأول 1987

32 المرجع المذكور أعلاه

33 المرجع المذكور أعلاه

34 المرجع المذكور أعلاه

35 مشاعل على المتحف يضيئها المعاقون لدقائق بعدد سنوات الاستقلال، جريدة السفير، 22 تشرين الثاني 1987

36 المرجع المذكور أعلاه

37 مقابلة مع نواف كبارة

38 Kingston, Paul W. T.

39 Kingston, Paul W. T.